ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

في كلمته أمام القمة العربية الأخيرة التي عقدت في الظهران بالسعودية، حذّر رأس النظام المصري من تحديات وصفها بالممنهجة وغير المسبوقة  تهدد وجود الدول العربية لصالح كيانات طائفية وتنظيمات إرهابية، وأكد السيسي على أن دولا إقليمية هي التي تسعى لذلك بغية إنشاء مناطق نفوذ لها داخل الدول العربية، وضرب في ذلك مثال لم يسمى فيه دولة بعينها، لكنه ألمح بأن إحدى الدول الإقليمية، غير عربية، متواجدة على أرض دولتين عربيتين، واصفا ذلك التواجد بالاحتلال الصريح لهاتين الدولتين بمساعدة دول شقيقة.

ولأن الرجل وحلفائه أضعف من أن يسموا تلك الدولة الإقليمية التي ألمح إليها دون أن يصرح، فإن تلميحاته مفهومة، فالرجل قصد تركيا بالعين وتواجدها على الأراضي السورية مساندة الجيش السوري الحر (جيش الثورة الشعبي) وممثل الحركة التحررية لشعب أراد أن يتخلص من حكم دكتاتوري وهو حق كفله ميثاق الأمم المتحدة وشجع عليه وربط شرعية الدولة بالإرادة الشعبية الداعمة للنظام الحاكم فيها، وهو ما يعني أن تركيا في مساندتها للجيش السوري الحر لم تخرج عن المواثيق الدولية، على عكس فعل السيسي المتمثل بإمداد النظام السوري غير الشرعي بالصواريخ والخبراء العسكريين المدفوعة رواتبهم من بترول الخليج من أجل قمع ثورة الشعب الحر و إرجاعه في حظيرة الدكتاتورية ودعما، بكل غباء، لمزيد من النفوذ الإيراني والروسي في سوريا.

هذا فيما يخص سوريا، أما الدولة الثانية التي قصدها السيسي فهي العراق، وعلى الرغم من تواجد ممثل دولة العراق في القمة والذي لم يشتكي من العمليات العسكرية التركية في بلاده، إلا أن السيسي أخذ على عاتقه،متقمصا دور الدولة الكبرى وهو ما لم يعد، الدفاع عن العراق وشجب العمليات العسكرية التركية التي تستهدف العناصر الإرهابية من حزب العمال الكردستاني الانفصالي والذي يشن هجماته على المدنيين في القرى والمدن التركية انطلاقا من الأراضي العراقية، وهو ما يحق معه اتخاذ الدولة المتضررة وفقا لقواعد القانون الدولي التدابير اللازمة لحماية مواطنيها من شر هذه الجماعات الإرهابية، حتى ولو نفذت عملياتها خارج حدودها، ولقد رسخت أمريكا هذا المبدأ، وعلى وجه لم تقم به تركيا، في كل من أفغانستان والعراق.

لكن حديث السيسي عن الدولة الإقليمية واحتلالها لدول عربية يذكر بالمثل العربي (رمتني بدائها وانسلّت )، فالسيسي نسى أو تناسى، والتاريخ لا ينسى، تدخله في جنوب السودان حين فضح أمره بعد القبض على ضباط ومساعدين وجنود من قبل الجيش السوداني في حالة كارثية للتدخل في شأن دولة مجاورة لا تجمع مع مصر بالجوار والمصاهرة فحسب بل المصلحة والأمن القومي الإستراتيجي، في خطوة لا يمكن أن توصف إلا بالغباء السياسي الذي يعاقب صاحبه.

كما وقد نسي السيسي أن جيشه الذي حوله من جيش تفخر به العرب إلى ثلة من المرتزقة يزج بهم لمن يدفع، بعد أن أجره لأبوظبي تستخدمه حيثما شاءت، بغير إرادة ولا سيادة لدولة كبرى مثلت على مدى التاريخ الرافعة لإرادة وسيادة الأمة العربية، فدفع السيسي بالجيش المصري إلى إرتريا على الحدود مع إثيوبيا بإيعاز من الإمارات، وقد فضح الأمر بعد أن تعاملت إثيوبيا مع القضية بحكمة مسببة فضيحة مدوية لمن يتغنى بالسيادة الوطنية للدول، ولم تكن هذه الحالة هي الوحيدة من السيسي مع إثيوبية، فلقد كشفت الحكومة الإثيوبية على لسان وزير إعلامها غيتاشو رضا عن دعم نظام السيسي لمتمردي إقليم أوروميا، ليس فقط من أجل إسقاط الحكومة بل وصولا لتفكيك الدولة الإثيوبية.

أما الحديث الدائر الآن فهو عن دور ليس بالجديد، لكنه خطير، لقوات مصرية في ليبيا، والتي ستساند فيه جوا وبرا القوات التي يقودها الناظوري على درنة، ولن تكون هذه العملية هي الأولى لجيش السيسي فطائراته لم تكف عن ضرب ثوار ليبيا منذ انقلاب الثالث من يوليو.

كما وأن النظام في مصر يدعم ولا يزال التنظيم الموازي بقيادة فتح الله جولن، والذي تراه تركيا أحد ادوات الانقلاب ومنفذه من خلال أتباعه، وهو ما تأكد من خلال التحقيقات التي انتهت بأحكام من المحاكم و هو ما يجعل تورط جولن في الانقلاب حقيقة بما أصله الحقوقيون من قاعدة (الحكم عنوان الحقيقة)

لكن السؤال لمن يستنكر تدخل الدول الإقليمية في شؤون الدول العربية و الجوار، بما تبرر تدخلك في شؤون أشقاءك وجيرانك، الرئيس أردوغان برر العمليات العسكرية في سوريا والعراق، وتبريره مفهوم، وهو من آوى العراقيين منذ احتلال أمريكا لبلادهم ويستضيف ثلاثة ونصف مليون سوريا يريد الآن أن يؤمن لهم مناطق خالية من إجرام النظام ليعودوا إلى بلادهم بطلب منهم رغبة لبناء وطنهم الذي دمره مجرم أنت تدعمه، فما تبريرك أنت في زرع القلاقل سوى أطماع النفوذ والثروة وتنفيذ أجندة دويلة تاريخها لا يزيد عن تاريخ لاعب كرة قدم في الملاعب.

إن فكرة الأحلاف التي تعمل عليه أنظمة معروف توجهها لتقسيم مناطق النفوذ، إنما تخدم فقط أعداء الأمة وهو ما يعني أن هذه الأنظمة تلعب دورا وظيفياً لوأد ما بدا من الشعوب من رغبة في التحرر من سيطرة المستعمر ووكيله، وهو ما يعني أنكم تلعبون دور تاجر البندقية لكن سفن انطونيو (اردوغان الذي يمثل إرادة الشعوب المسلمة) ستصل بسلام وستربح تجارته، وسيذوق شايلوك مرارة الخسران، فانتظروا إنا منتظرون.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس