محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

سرقة الآثار والاتّجار فيها جريمة تختلف في طبيعتها عن الجرائم الأخرى، المتضرّر منها ليس الفرد بل الذي يلحقه الضرر جرّاءها هو كيان الدولة، لأنّها تستهدف تاريخه وإرثه الحضاري وذاكرته. أرض الرافدين التي تعاقبت على ربوعها حضارات مختلفة تحوي آلاف المواقع والمعالم الأثرية والقطع الثمينة والنفائس وغيرها، تعرضت على الدوام إلى عمليات سرقة بقصد التجارة.

إن الاعتداء على الآثار وسرقة المقتنيات الأثرية، والنادرة منها وذات القيمة التاريخية المهمة والمؤثرة في حضارة الشعوب والبلدان هي ضمن ممارسات الأشخاص الذين يسعون من خلال هذه الأعمال غير القانونية إلى الثراء من وراء مثل هذه المسروقات الثمينة، لكن الأخطر في كل ذلك يكمن في الأهداف المخطط لتحقيقها من وراء مثل هذه الجرائم، والتي تتمثل في شطب حقائق تاريخية معينة أو حرفها عن مسارها التاريخي الصحيح وطمس حقائق معينة قد ينظر إليها البعض على أنها تدحض بعض الادعاءات التي يسعى أصحابها إلى تكريس مغالطات تاريخية على أنها حقيقة قائمة منذ الأزل.

تشمل الآثار المسروقة مسكوكات ومخطوطات وحليًا وفخاريات وتماثيل وألواحًا مكتوبةً بالخط المسماري يعود بعضها للعصور السومرية والآشورية والبابلية والإسلامية تم نهبها خلال الفوضى التي رافقت دخول القوات الأميركية إلى بغداد عام 2003.

ولا زالت الجهات ذات العلاقة ودوائر الآثار ومديرية المتاحف العامة تسعى جاهدة لتسجيل تلك المفقودات المثبتة في سجلاتها وتثبيت باقي الآثار أيضا في حال وجود صور وترقيم لباقي الآثار حتى تستطيع استعادتها بصورة قانونية.

ففي تركيا، وقع سفير جمهورية العراق لدى تركيا د. حسن الجنابي يوم 20 أيلول/ سبتمبر 2019 مع وكيل وزير الثقافة التركي السيد نادر ألب أصلان اتفاق تسليم آثار ونفائس عراقية سيتم نقلها إلى بغداد خلال الأيام المقبلة.

عبر السفير عن شكره خلال مراسم توقيع الاتفاق إلى كل الذين عملوا على تحقيق هذا الإنجاز وفي المقدمة كل الأطراف التركية كوزارة الثقافة وولاية هاتاي ومتحف هاتاي العظيم.

وأكد السفير قائلًا: "إن تركيا بلد عظيم وشعب مثقف ومحب للشعب العراقي، وإنه وبعد 11 عامًا من الحفظ وتهيئة مستلزمات التفاهم بين الطرفين نظمت ولاية هاتاي هذا الحفل بحضور قادة المجتمع والبرلمانيين والمثقفين وجمهور المعنيين بالحفاظ على الإرث الثقافي".

كما أعرب السيد السفير عن شكره لوزير الثقافة العراقي السيد عبد الأمير الحمداني ووزارة الخارجية التي خولته لتوقيع المذكرة التي أعدتها السفارة بالتعاون مع وزارة الثقافة التركية، ومن المؤمل أن يكتمل هذا الإنجاز بعد نقل الآثار إلى بغداد.

على صعيد متصل زار السيد السفير متحف هاتاي الذي يقع قرب الحدود السورية ويعد أكبر متحف فسيفساء في العالم حيث يضم قطع آثار ونفائس عراقية مسروقة عثرت عليها السلطات التركية عام 2008.

وثمّن السفيرالدكتورحسن الجنابي على موقعه الشخصي مبادرة الجانب التركي في استعادة الآثار العراقية  قائلًا:

"باعتزاز كبير وبهجة عارمة زرت اليوم متحف هاتاي قرب الحدود السورية، وأكبر متحف فسيفساء في العالم، والذي يضم 80 قطعة آثار ونفائس عراقية مسروقة عثرت عليها السلطات التركية في عام 2008.

اليوم وقعت مع وكيل وزير الثقافة التركي اتفاق تسليمها للعراق. وبعد أيام سننقلها الى بغداد...

أشكر من القلب كل الذين عملوا على تحقيق هذا الإنجاز وفي المقدمة كل الأطراف التركية كوزارة الثقافة وولاية هاتاي ومتحف هاتاي العظيم.

لقد شعرت فعلًا بأن تركيا بلد عظيم وشعب مثقف ومحب، وبعد 11 عاما من الحفظ وتهيئة مستلزمات التفاهم بين الطرفين نظمت ولاية هاتاي هذا الحفل بحضور قادة المجتمع والبرلمانيين والمثقفين وجمهور المعنيين بالحفاظ على الإرث الثقافي.

أشكر الصديق عبد الأمير الحمداني وزير الثقافة الذي ذكرني بقضية المقتنيات العراقية المحفوظة في متحف هاتاي في أول التحاقي كسفير لبلادي في تركيا، ولوزارة الخارجية التي خولتني بالتوقيع على المذكرة التي أعددناها بالتعاون مع وزارة الثقافة التركية، وسيكتمل هذا الإنجاز بعد نقلها إلى بغداد."

ويذكر أن أرض العراق تحتل جزءًا كبيرًا من حيز الاهتمام العالمي، وذلك بسبب غناها بالموارد الطبيعية، غير أن الكثيرين حول العالم سحرتهم أرض العراق لسبب آخر وهو غناها الحضاري الذي لا تضارعها فيه أية أرض أخرى مهما كانت، فأرض العراق أرض حضارية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وهي الأرض التي تصارعت عليها الأمم والحضارات على امتداد التاريخ، مما خلف كمية مهولة من المعالم الأثرية لتبقى شاهدة على عراقة هذه المنطقة، وعلى مدى التقدم الحضاري الذي وصلت إليه. تعود المعالم الأثرية الموجودة على أرض العراق إلى مختلف الحضارات التي تنازعت فيما بينها على وجودها على هذه الأرض، حيث تتوزع هذه المعالم في كافة أنحاء البلاد، مما يؤكد على أن أرض العراق كلها كانت أرضًا حضارية، وأن بعض المدن العراقية نالت من المكانة ما لم تنله مدن أخرى عديدة حول العالم.

ويذكر ان الدكتور عبد الأمير الحمداني، كشف سابقا عن عدد المواقع الأثرية في العراق والذي يبلغ 17 ألف موقع أثري، فيما أكد أن حجم التنقيب عن الآثار في العراق منذ منتصف القرن الـ19 بلغ 4% فقط، وأكد مساهمته في إضافة 1200 تل أثري إلى خارطة الآثار العراقية.

وقال عبد الأمير الحمداني وهو مكتشف آثار حاصل على شهادة الدكتوراه في اختصاصه من جامعة نيويورك في كلمة خلال مؤتمر (تيدكس) الذي عقد برعاية مؤسسة "المدى للإعلام والثقافة والفنون" في فندق الرشيد، وسط بغداد، إن "عدد المواقع الأثرية في العراق يبلغ 17 ألف موقع أثري"، مبينا أن "حجم البحث عن الآثار العراقية منذ منتصف القرن التاسع بلغ نسبة 3-4% فقط".

 

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس