محمد قدو الأفندي - خاص ترك برس

لا تعتبر العلاقات التركية مع روسيا علاقات استراتيجية مصيرية بقدر كونها علاقات لجوء أخيرة للطرفين أفرزتها ظروف البلدين وتقاطعهما مع علاقاتهما الاستراتيجية المصيرية لكلتا البلدين.

فتركيا والاتحاد السوفيتي السابق في علاقاتهما لم يكونا  في يوم ما على وفاق فمنذ نشوء الثورة البلشفية وقيام الدول الشيوعية كانت تركيا قد تم إعدادها أن تكون الحصن والجدار المانع لانتشار الشيوعية نحو الغرب الأوربي.

وقبيل قيام أو في أثناء نشوب الحرب الباردة بين الدولتين العظمتين وحلفائهما انضمت تركيا لحلف الناتو في عهد الراحل عدنان مندريس الأولى، وعلى أثر تلك الخطوة تم دمج الجيوش التركية الثلاثة من ضمن قوات الناتو وأصبحت تلك القوات ترفع درجات استعداداتها بإيذان من قيادة الحلف، وهذه الخطوة دقت المسمار الأخير في نعش علاقات تركيا بالاتحاد السوفيتي السابق.

لم يكن انضمام تركيا الى حلف الناتو طوعيا وبمجرد الرغبة لكن التنافس والصراع في عدة ساحات ومفاصل شمل دول البلقان والقوقاز والبحر الأسود بين موسكو وأنقرة، وازدادت الفجوة بينهما وشملت خلافًا حقيقيًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عندما طلبت موسكو من أنقرة منحها مدينة قارص شرق الأناضول وطلبت منها أيضا إعادة النظر في اتفاقيات العبور بمضيقي البوسفور وجناق قلعة مما دفع تركيا، في عام 1952 الى طلب الانضمام لحلف الناتو .

وبانهيار الاتحاد السوفيتي وما تبعه من استلام حزب العدالة والتنمية ولحاجة الدولتين الملحة والشديدة لتطوير إمكاناتهما الاقتصادية وفتح أسواق جديدة لبضائعهما واستثماراتهما تنازل الطرفين من جزء من خلافاتهما خدمة  لأهدافهما ومصالحهما وأصبحت سمة البراغماتية تسود علاقاتهما وهي السمة الوحيدة التي حافظت على إدامة علاقاتهما وحتى يومنا هذا رغم البون الشاسع في اتجاههما وأهدافهما وخطواتهما.

وبتبني حزب العدالة والتنمية سياسة خارجية مرنة وباعتمادها على مبدأ تصفير المشاكل مع الدول المحيطة وكذلك في علاقاتهما الدولية، فقد بدأت حقبة جديدة في علاقات أنقرة مع موسكو وتوجت تلك الثقة في العلاقات بعد رفض مجلس النواب التركي السماح للجيش الأميركي عام 2003 باستخدام الأراضي والأجواء التركية في غزو العراق، حيث اعتبرتها موسكو رسالة واضحة لها  لدور أنقرة الجديد في اعتماد سياستها المستقلة المقاطعة لخطوات الغرب وواشنطن إضافة إلى عدم الرجوع في قراراتها إلى حلفائها للاستشارة وطلب الموافقات، وتوجت تلك التفاهمات بزيارة قام بها بوتين لأنقرة عام 2004، في أول زيارة لرئيس روسي للبلاد منذ زيارة رئيس مجلس السوفيت الأعلى نيكولاي بودغورني عام 1972.

وجاء التدخل الروسي في سوريا والغير المتوقع من كافة الأطراف سوى كونه حليف قديم لنظام والد بشار  حافظ الأسد وكذلك لكون علاقات الروس مع الإيرانيين حلفاء بشار الأسد على أتم ما يرام مما أدى إلى دخول عهد ضبابي كثيف من جديد بين أنقرة وموسكو، وقد رأى البعض أن روسيا بتدخلها السافر في سوريا عسكريا حاولت لفظ مفهوم القطب الواحد المتوج أمريكيا، لكن ينكر الكثير هذا المفهوم ويؤكد أن الروس يعومون في برك ومستنقعات حددتها واشنطن بدليل أن تحالفات الروس مع عدة أطراف قريبة من واشنطن خارج سوريا وبعيدة عن نظام بشار الأسد في سوريا وهذا يؤكد أيضا أن الروس لم يحاولوا استفزاز واشنطن في مصالحها بل ويحاولون استرضاءها أحيانا.

لكن التدخل الروسي لسوريا وما تبعه من أحداث مهمة وأهمها فصول الربيع العربي وتقاطع تلك التغييرات مع المصالح الروسية خلق حالة من العداء الغير المعلن بين أنقرة وموسكو وزاد الطين بلة بعد اسقاط الطائرة الحربية الروسية من قبل الدفاعات التركية لتتحول العلاقة بين الدولتين نحو العداء الواضح وقطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، وسارع الروس إلى التحالف مع كل أعداء تركيا المحليين في المنطقة والذين كانوا وما زالوا  كسكين خاصرة في الأمن التركي.

استمر العداء بين الدولتين حتى حصلت المؤامرة والتي كشفت خباياها عن تورط الغرب الناتو عموما بهذه المحاولة الانقلابية ضد الرئيس أردوغان وحزب العدالة الحاكم في أنقرة، مما أضطر الرئيس أردوغان إلى تغيير استراتيجية أنقرة من جديد ووضع موسكو تحت الاختبار وتطوير آلية المصالح المشتركة وخصوصا في مجال الطاقة والاقتصاد.

لم ينتهي فصل سوريا حتى بدأ فصل أوكرانيا والعاصمتان أنقرة وموسكو تدخلان تحت اختبار جديد فتركيا دولة في حلف الناتو ولا تستطيع رفض مطالب الحلفاء مثلما تحاول جاهدة عدم خسارة الروس في هذه القضية رغم أن بعض الأسلحة التركية التي زودتها للدفاعات الأوكرانية كانت مؤثرة بشكل كبير على تقدم القوات الروسية وخلق هذا حالة ومن الامتعاض عن الروس، لكن تم تجاوز تلك في المحاولات التركية في إقناع الطرفين الروسي والأوكراني في الجلوس على طاولة المفاوضات لإنهاء الأزمة، ونجحت  تركيا لاحقا في مسألة استمرار تدفق غلات الحبوب نحو دول العالم من خلال تبنيها خروج السفن والبواخر من الموانئ الأوكرانية عبر البحر الأسود.

الولايات المتحدة تنظر بريبة للعلاقات الروسية مع تركيا، إلا من خلال هامش بسيط تبعا للمصالح الدولية خوفا من خلق أزمة غذاء عالمية، ولذا فمن المؤكد أن واشنطن ستنسف كل علاقات أنقرة مع موسكو في حال مضي أنقرة لتطوير علاقاتها مع موسكو لدرجة تثير ريبة الغرب الأوربي والولايات المتحدة.

وفي الختام ففي حال وجود قطب واحد المتمثل بالولايات المتحدة وكذا الحال في بروز قطب شرقي آخر من الصين وروسيا فإن العلاقات التركية مع روسيا لن تبلغ القمة مطلقا، لكن باستطاعة أنقرة الاستفادة من التنافس الدولي الغربي والشرقي قدر المستطاع رغم أن هذا الحيز من الاستفادة ضيق جدا ولن يكون دائمًا ومحفوف بمخاطر أشد من خطورة سفينة محملة في أعالي البحار تواجه إعصارا فتاكا.

عن الكاتب

محمد قدو الأفندي

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس