ترك برس

منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، تميزت الموقف التركي إزاءها عن غيرها من مواقف دول العالم، حيث أبقت على قنوات الاتصال بين موسكو وكييف، وهو ما تلخّص في مقاربة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان "لسنا في الشرق ولا في الغرب". فما هي دوافع ومكاسب أنقرة من هذه المقاربة؟

وأتت المقاربة التركية هذه بنتائج دبلوماسية بارزة لأنقرة خلال الأزمة المتواصلة، وكان آخرها تبادل الأسرى بين موسكو وكييف.

وأعلنت أوكرانيا، الخميس، أنها أفرجت عن 55 أسير حرب مقابل إفراج روسيا عن 215 أسيرا، منهم قادة قوات الدفاع عن مصنع آزوفستال للصلب في ماريوبول.

وأوضح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه في إطار عملية التبادل هذه التي "استغرق الإعداد لها فترة طويلة" أطلقت موسكو سراح 5 قادة عسكريين نقلوا إلى تركيا.

لا تزال أهمية دور تركيا في التوصل إلى هذا الاتفاق غير واضحة المعالم، لكن في إشارة إلى الدور الأساسي الذي لعبته أنقرة في الكواليس كان الرئيس التركي أول من تحدث عن اقتراب تبادل الأسرى خلال مقابلة تلفزيونية يوم الاثنين الماضي مع قناة "بي بي إس" (PBS) الأميركية.

وقال السفير الأوكراني لدى أنقرة فاسيل بودنار، الخميس، "تحرر أبطالنا، لقد أصبح كل ذلك ممكنا بفضل الاتفاقات بين الرئيس زيلينسكي والرئيس أردوغان".

جمع الخصمين

ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي تمكنت روسيا من جمع ممثلين عن روسيا وأوكرانيا مرتين على أراضيها.

وفي يوليو/تموز الماضي لعبت أنقرة دورا رئيسيا في إبرام اتفاق بين كييف وموسكو برعاية الأمم المتحدة يسمح باستئناف تصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود ومضيق البوسفور.

وفي مطلع سبتمبر/أيلول الجاري عرض أردوغان على موسكو وساطته للمساعدة في حل الأزمة حول محطة الطاقة النووية الأوكرانية في زاباروجيا.

دبلوماسية بلا أخطاء

وفي إطار المديح الذي كاله السفير الفرنسي السابق لدى الولايات المتحدة ولدى الأمم المتحدة جيرار أرو للدبلوماسية التركية كان قد كتب على تويتر في نهاية أغسطس/آب الماضي أن "الدبلوماسية التركية لم ترتكب أي خطأ منذ بداية الحرب في أوكرانيا من ناحية تقدير مصالحها والموازنة بين المتحاربين والحزم إذا لزم الأمر، مع الاستفادة من الظروف القائمة".

وحتى مع تزويد أنقرة كييف بطائرات مسيرة عسكرية رفضت الحكومة التركية الانضمام إلى معسكر الدول الغربية التي تفرض عقوبات على موسكو، وواصلت تركيا المطلة على البحر الأسود والعضوة في حلف شمال الأطلسي عملها على تحقيق توازن في الأسابيع الأخيرة.

وكان أردوغان -الذي التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين 3 مرات في الأشهر الثلاثة الأخيرة، والذي يتحدث بانتظام مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي- قد اتهم الغربيين في مطلع سبتمبر/أيلول الجاري بارتكاب "استفزازات" بحق موسكو.

وكان قد عزا أزمة الطاقة في أوروبا إلى العقوبات المفروضة على روسيا، واقفا بذلك إلى جانب الكرملين، لكن في المقابل نددت وزارة الخارجية التركية أمس الأربعاء بمخطط روسيا "غير الشرعي" لإجراء استفتاء يهدف إلى ضم 4 مناطق أوكرانية تسيطر عليها القوات الروسية.

وقال جيرار أرو "إن تركيا قوة إقليمية (…)، تعرضها جغرافيتها لضغوط بقدر ما تمنحها وسائل للضغط على الجهات الفاعلة، ويحتاجها المتحاربان وبالتالي يراعيانها".

وقال سونر كاغابتاي الزميل الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى -في بحث صدر في مطلع سبتمبر/أيلول الجاري- "رغم دعمه العسكري لأوكرانيا فإن للرئيس أردوغان أسبابا سياسية واقتصادية أساسية للحفاظ على علاقات جيدة مع موسكو"، واعتبر معدو البحث أن أنقرة "حيادية مؤيدة لأوكرانيا"، بحسب ما نقله تقرير لـ "الجزيرة نت."

ملفات وساطة

وهذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها تركيا لعب دور الوسيط، ففي مطلع القرن الـ21 نشرت أنقرة "دبلوماسية السلام" في الشرق الأوسط، في محاولة خاصة لرعاية المفاوضات بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، واعتبارا من العام 2009 لعبت أيضا دور الوسيط في الملف النووي الإيراني.

وتواجه تركيا تضخما تتجاوز نسبته 80% سنويا، ويتعين عليها التعامل مع عملة فقدت أكثر من نصف قيمتها خلال عام واحد.

وكون تركيا تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز الروسيين فإن لدى الرئيس التركي كل الأسباب التي تجعله يريد مراعاة موسكو على بعد 9 أشهر من الانتخابات الرئاسية والتشريعية في يونيو/حزيران 2023 في تركيا.

وحتى ذلك الحين سيسعى أردوغان أيضا إلى عدم إثارة غضب حلفائه الغربيين، خصوصا أن واشنطن حذرت في نهاية أغسطس/آب الماضي الشركات التركية التي تتعامل مع روسيا من إجراءات انتقامية محتملة.

وفي مقابلته يوم الاثنين الماضي مع قناة "بي بي إس" لخص أردوغان موقفه بالقول "أقول ذلك بوضوح: نحن جزء من هذا العالم، لكن لسنا في الشرق ولا في الغرب".

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!