د. علي الصلابي - خاص ترك برس

موضوع سورة الشعراء الرئيسيّ هو موضوع السور المكية جميعها تتلخص في العقيدة، وتجمع في عناصرها الأساسية: توحيد الله، والخوف من الآخرة، والتصديق بالوحي المنزل على محمد رسول الله والتخويف من عاقبة التكذيب، إما بعذاب الدنيا الذي يدمر المكذبين، وإما بعذاب الآخرة الذي ينتظر الكافرين، وجسم السورة هو القصص، والسورة هي هذا القصص مع مقدمة وتعقيب، والقصص والمقدمة والتعقيب تؤلف وحدة متكاملة متجانسة تعبر عن موضوع السورة وتبرزه في أساليب متنوعة، تلتقي عند هدف واحد ومن ثم تعرض من كل قصة الحلقة أو الحلقات التي تؤدي هذه الأغراض.

ويغلب على القصص كما يغلب على السورة كلها جو الإنذار والتكذيب والعذاب الذي يتبع التكذيب، ذلك أن السورة تواجه تكذيب مشركي قريش لرسول الله ﷺ واستهزاءهم بالنذر وإعراضهم عن آيات الله واستعجالهم بالعذاب الذي يَعدهم به، مع التقول على الوحي والقرآن بالادعاء بأنه سحر أو شعر تتنزل به الشياطين، والسورة كلها شوط واحد -مقدمتها وتعقيبها- في هذا المضمار، لذلك نقسمها إلى فقرات ومحاور بحسب ترتيبها، ونبدأ بالمقدمة قبل قصة موسى عليه السلام في السورة. [في ظلال القرآن، ٤/٢٥٨٥].

وإن قصة موسى عليه السلام تجيء في هذه السورة متناسقة مع موضوع السورة، ومع اتجاهها إلى بيان عاقبة المكذبين بالرسالة وإلى طمأنة الرسول ﷺ وتعزيته عما يلقاه من إعراض المشركين وتكذيبهم، وإلى رعاية الله لدعوته والمؤمنين بها ولو كانوا مجردين من القوة وأعداؤهم أقوياء جبارون في الأرض مسلطون عليهم بالأذى والتنكيل، وهو الموقف الذي كان فيه المسلمون بمكة عند نزول هذه السورة -وقد كان القصص إحدى وسائل التربية القرآنية في القرآن الكريم.

وقد وردت حلقات من قصّة موسى عليه السلام في سورة البقرة، وسورة المائدة وسورة الأعراف وسورة يونس، وسورة الإسراء وسورة الكهف، وسورة طه، وهناك إشارات إليها في سور أخرى وفي كل مرة كانت الحلقات التي تعرض منها أو الإشارات متناسقة مع موضوع السورة أو السياق الذي تعرض فيه على نحو ما في هذه السورة وكانت تشارك في تصوير الموضوع الذي يهدف إليه السياق.

وإن الحلقة المعروضة هنا هي حلقة الرسالة والتكذيب، وما كان من غرق فرعون وملئه جزاء هذا التكذيب وعقاباً على ائتماره بموسى ومن معه من المؤمنين، ونجاة موسى وبني إسرائيل من كيد الظالمين وفي هذا تصديق قول الله سبحانه في هذه السورة عن المشركين ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وهذه الحلقة مقسمة إلى مشاهد استعراضية بينهما فجوات بمقدار ما يسدل الستار على المشهد، ثم يرفع عن المشهد الذي يليه وهي ظاهرة فيه ملحوظة في طريقة العرض القرآنية للقصة [في ظلال القرآن، ٥/٢٥٨٨]. ونجد هنا مشاهد سبعة، وهي:

أولها: مشهد النداء والبعثة والوحي والمناجاة بين موسى عليه السلام وربه.

ثانيها: مشهد مواجهة موسى لفرعون وملئه برسالته وآيتي العصا واليد البيضاء.

وثالثهما: مشهد التآمر وجمع السحرة وحشد الناس للمباراة الكبرى.

ورابعهما: مشهد السحرة بحضرة فرعون يطمئنون على الأجر والجزاء.

وخامسهما: مشهد المباراة ذاته وإيمان السحرة وتهديد فرعون ووعيده.

وسادسهما: مشهد ذو شقين: الشق الأول مشهد إيحاء الله لموسى أن يسري بعباده ليلاً، والثاني: مشهد إرسال فرعون في المدائن حاشرين يجمعون الجنود لملاحقة بني إسرائيل.

وسابعهما: مشهد المواجهة أمام البحر ونهايته من انفلاق البحر وغرق الظالمين ونجاة المؤمنين وقد عرضت هذه المشاهد في سورة الأعراف وفي سورة يونس وفي سورة طه، ولكنها عرضت في كل موضع من الجانب الذي يناسب ذلك الموضع وبالطريق التي تتفق مع اتجاهه وكان التركيز فيها على نقط معينة هنا وهناك.

ففي سورة الأعراف مثلاً بدأ بمشهد المواجهة بين موسى وفرعون مختصراً، ومر بمشهد السحرة ونهايته سريعاً، بينما وسع في عرض مؤامرات فرعون وملئه بعد ذلك وعرض آيات موسى مدة إقامته في مصر بعد المباراة قبل مشهد الغرق والنجاة، ومن ثم بعد ذلك مع بني إسرائيل بعد مجاوزتهم البحر في حلقات كثيرة، واختصر هذا المشهد فلم يشر إليه، بينما وسع في مشهد الجدال بين موسى وفرعون حول وحدانية الله سبحانه ووحيه إلى رسوله وهو موضوع الجدل في هذه السورة بين المشركين والنبي ﷺ.

وفي سورة طه توسع في مشهد المناجاة الأول بين موسى وربه واستطرد بعد مشهدي المواجهة والمباراة، فصاحب بني إسرائيل في رحلتهم طويلاً ولم يجاوز هنا مشهد الغرق والنجاة، وكذلك لا تجد تكراراً في عرض القصة أبداً على كثرة ما عرضت في سور القرآن، لأن هذا التنويع في اختيارات الحلقات التي تعرض، ومشاهد كل حلقة والجانب الذي يختار من كل مشهد، وطريقة عرضه كل أولئك يجعلها جديدة في كل مواضع متناسقة مع هذا الموضع. [في ظلال القرآن، ٥/٢٥٨٩].


ملاحظة هامة: استفاد المقال مادته من كتاب: "موسى عليه السلام"، للدكتور علي الصلابي، واعتمد في كثير من معلوماته على كتاب: " في ظلال القرآن" للأستاذ سيد قطب.

المراجع:

موسى عليه السلام عدو المستكبرين وقائد المستضعفين، د. علي محمد الصلابي، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، 2022م.

·     في ظلال القرآن، سيد إبراهيم قطب، القاهرة، دار الشروق، ط32، 1423ه/ 2003م.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس