د. عطية عدلان - خاص ترك برس

لا تفقدُ العمليةُ السياسيةُ الرشدَ والسدادَ بشكل كامل حتى يقعَ واحدٌ من أمرين، الأول من جهة السلطة، والثاني من جهة الشعب، الأول: يتمثل في تجاهل السلطة الحاكمة لسلطة الأمة ولحق الشعب في التصويت والاقتراع بحرية تامّة، والثاني: يتمثل في ضعف إدراك الناخب للمسئولية الأخلاقية وانحيازه للهوى في تعاطيه مع العملية الانتخابية، الأول يترتب عليه القفز فوق سلطة الأمّة والافتئات على إرادتها وهضم حقها في الاختيار؛ ومن ثم فقدان السلطة الحاكمة لشرعيتها، والثاني يترتب عليه وقوع العملية السياسية بِرُمَّتها في فخَّ النفاق، الذي يمكن أن يصعد على متن التصويت المتشنج الخاضع للعصبيات.

نذير من معاقل الديمقراطية الأولى

أقربُ مثال على تسبب التصويت العقابي في كوارث سياسية صعودُ اليمين المتطرف في أوربا معقل الديمقراطية وحصنها المنيع، ويكاد المحللون السياسيون يجمعون على أنّ السبب الأبرز في شيوع هذه الظاهرة المفزعة هو التصويت العقابي؛ فقد تسببت كثير من الحوادث المتتابعة، كان منها جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية، تسببت في أزمات اقتصادية عجزت الحكومات عن إنجاز حلول سريعة لها، فكان المقابل هو انزياح الناخبين في اتجاه اليمين المتطرف الذي نجح في استثمار الأزمات؛ لدغدغة مشاعر وعواطف الشعوب، بخطاب شعبوي تعبويّ، يحي النعرات ويلهب نيران العصبية والحزبية المقيتة، والآن تعيش أوربا فزعًا حقيقيا بسبب وقوع الشعوب في قبضة حِفْنَةٍ من المتاجرين بالقومية، الذين خرجوا على حين غرة من قبر "موسوليني" ليبعثوا الفاشية من جديد وينفخوا روح النازية في الحياة السياسية.

   وإذا كان التمدد الأفقيّ لليمين المتطرف مفزعًا، فإنّ التنامي الرأسيّ أكثر فزعًا، فصعود اليمين في السويد والمجر وإيطاليا، وقُرْبُ صعوده في فرنسا والنمسا وألمانيا وهولندا، صاحَبَهُ ارتفاعٌ في اللهجة المتطرفة لدى كثير من هذه الأحزاب، فجورجيا ميلوني معروفةٌ بالنزعة اللاإنسانية، ليس أَدَلَّ على ذلك من معارضتها لفتح إيطاليا أبوابها لسفينة "أكواريوس"، وعندما استثمر "ماكرون" موقفها هذا للدعاية ضدها؛ خرجت في الفيديو الشهير لها، ولَقّنَتْهُ درسا لا يُنسى، وحليفُها "ماتيو سالفيني" هو الذي أعلن في وقت سابق أنّه سينقل سفارة بلاده في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، أمّا المجريّ "فيكتور أوربان" فقد أعلن بمنتهى العنصرية: "نحن على استعداد للاختلاط مع بعضنا البعض، لكننا لا نريد أن نصبح شعوبا مختلطة الأعراق"، بل إنّه يرى أن مشكلة الهجرة مرتبطة بشكل كبير بالثقافة المسيحية التي يقول إن الدفاع عنها أضحى "التزاما سياسيا"، وأصرح وأوقح من هؤلاء جميعا تصريح "خيرت فيلدرز" زعيم حزب الحريات اليميني الهولندي: "لا للإسلام لا لرمضان"! وليس عند المحللين السياسيين شك في أنّ هذا التطور المثير للتشاؤم نتج عن التصويت العقابيّ، الذي صار سمة عامّة، إلى حدّ أنّه - بتعبير "آلان تورين" - "أصبحت الانتخابات تظهر تعبيرا عن الرفض السياسي بدلا من الإيثار السياسي".

ما وراء الظاهرة

هذه الظاهرة الفجّة، وما ترتب عليها من صعود لليمين المتطرف في الغرب، وما يمكن أن يترتب عليها من صعودٍ لقوى وأحزاب غابت عن السلطة فترة طويلة؛ لكونها لم تجلب لشعوبها في الماضي إلا الفقر والقهر، هذه الظاهرة وما يترتب عليها يكمن وراءها رأسمالية عالمية طاغية، هي التي تهيمن على الإعلام الدولي والإقليمي والمحليّ، ومن خلاله تصوغ الرأي العام وتتحكم في مشاعر الناس وطرائق تفكيرهم، وتقودهم - من ثم - إلى التصويت الانفعالي العقابي؛ بغرض الخلاص من قيود الديمقراطية، للتفلت من المسئوليات الاجتماعية التي تفرضها ضرورات الحكم الديمقراطي، وبحسب تعبير "هانس بيتر مارتين وهارالد شومان": "إنَّهم يَدَّعون أنّ النموذج الأوربيّ لدولة الرفاهية قد أكل عليه الدهر وشرب، وأنّه قد صار مشروعاً باهظ التكاليف، مقارنة  بماهو سائد في بلدان العالم الأخرى".

    وإذا كانت النيوليبرالية ورأسمالية السوق الحرة التي نمت وتفحشت عبر العولمة الاقتصادية ينتهي نسبها إلى مدرسة شيكاغو وعلى رأسها "ميلتون فريدمان"، فإنّ هذا الشخصَ ذاتَهُ هو الذي نظّر لإمكانية نمو وتطور الرأسمالية في ظل أنظمة معادية للحرية، حيث يقول في كتابه "الرأسمالية والحرية": "وبذا يتضح تماماً أنّه من الممكن أن تقوم نظم اقتصادية رأسمالية بالدرجة الأولى في ظل نظم سياسية غير حرة" بل إنّه يروج بصراحة لا تخلو من وقاحة للمكيافيللية، فيقول في نفس الكتاب: "من الاعتراضات الشائعة على المجتمعات الشمولية أنَّها تعتبر أنَّ الغاية تبرر الوسيلة، ولكن إذا نظرنا إلى هذا الاعتراض حرفياً نرى أنَّه مناف للمنطق بشكل واضح؛ فإذا لم تبرر الغاية الوسيلة فماذا يبررها؟" ولم يكتف بالتنظير حتى رحل بشؤمه إلى "تشيلي" لتنتشر المآسي في أمريكا الجنوبية من أقصاها إلى أقصاها، عبر انقلابات عسكرية على أنظمة ديمقراطية رفضت التخلي عن واجباتها الاجتماعية، وقد أطالت البرلمانية الكندية "نعومي كلاين" في سرد قصص الأهوال التي تسببت فيها هذه السياسة في كتابها "عقيدة الصدمة"، الذي كشفت فيه عن مدى تغول الرأسمالية النيوليبرالية وإبادتها للشعوب عبر ما تسميه "عقيدة الصدمة".

الإعلام وتبليه العوام

وحتى يتم لحفنة المرابين المتحكمين في النظام العالميّ ما يريدون لابد من السيطرة التَّامَّة على الإعلام الذي يقوم بالدور الذي عبر عنه "موريس دوفرجيه" في كتابه "مدخل إلى علم السياسة" بقوله: "أمَّا نظام الإعلام الرأسمالي فإنَّه يؤدي إلى ما يمكن أن نسميه تبليه الجمهور"، وهذه وظيفة سهلة لإعلام الرأسمالية، يقول "إدوارد بيرنيز": "لو أنّنا فهمنا آليات العقل الجماعي ودوافعه؛ أليس من الممكن السيطرة على الجماهير؟ وإخضاعهم لنسق موحدد حسب رغبتنا، دون أن يدركوا ذلك؟" هذا هو الخطر الحقيقيّ؛ لذلك لا يصح أخلاقيا ولا حضاريا أن يبني الناخب رأيه وهو متأثر بالحالة الإعلامية.

    إنّ أوطاننا أمانة في أعناقنا، وإنّ مستقبل الأجيال القادمة معلق برقابنا، وإنّ التصويت مسئولية سياسية وأخلاقية ووطنية؛ فيجب أن نتجرد من الأهواء والعصبيات، وأن نتخلى عن الغضب والحقد والحسد، وأن نتحلى بالمصداقية والأمانة، وأن ننظر بصدق ووعي ما الأصلح للبلاد؟ بغض النظر عن مشاعر الحب أو البغض، لأنّ هذه الأمانة الكبرى وهذا الواجب الوطني الكبير لا يصح أن يقع تحت طائلة المشاعر وردود الأفعال الوقتية التي قد تورد الناس المهالك.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس