ترك برس-الأناضول

تدعم الولايات المتحدة الأمريكية استفزازات اليونان في بحر إيجه، ورفعت حظر الأسلحة المفروض على الإدارة القبرصية اليونانية.

وبهذه الاستراتيجية، تسعى واشنطن إلى إخراج روسيا من الشطر الرومي لجزيرة قبرص وتموضع البحرية الأمريكية مكانها.

ومما أثار الفضول في الآونة الأخيرة التزام واشنطن الصمت حيال انتهاكات اليونان للاتفاقيات وتسليحها الجزر التي من المفترض أن تكون منزوعة السلاح حسب الاتفاقيات الدولية.

وفي 16 سبتمبر/ أيلول الماضي، قررت واشنطن تمديد رفع حظر الأسلحة المفروض على الإدارة القبرصية الرومية، وأكدت صحة المزاعم القائلة بأنها غيرت التوازن بين اليونان وتركيا لصالح أثينا.

وإلى جانب الانتهاكات الجوية الاستفزازية وانتهاكات أثينا لاتفاقيتي لوزان وباريس (1947)، اتضح أن تغيير واشنطن لسياساتها كان وراء تسليح اليونان للجزر.

في 2019، بذل أعضاء في الكونغرس جهودا كبيرة لإصدار تشريعات معادية لتركيا، وكان أحدها قانون الأمن والطاقة شرق البحر المتوسط الذي استهدف أنقرة ضمنيا ومهد طريق واشنطن للحصول على حصة من موارد الطاقة المحتملة هناك.

ففي 10 أبريل/ نيسان 2019، جرى في مجلس الشيوخ تقديم المشروع من جانب رئيس لجنة العلاقات الخارجية الديمقراطي بوب مينينديز والجمهوري ماركو روبيو، وهما معروفان بمعارضتهما لتركيا وقربهما من اللوبي القبرصي الرومي

وأرسى المشروع أسس التعاون بين الولايات المتحدة والإدارة القبرصية الرومية، وأكد أهمية الشطر الرومي لجزيرة قبرص وإسرائيل واليونان، و"معارضة السلوك الأحادي الجانب الذي ينتهك القانون الدولي ويضر بعلاقات حسن الجوار في المتوسط ​​وبحر إيجه"، في إشارة إلى تركيا وفق زعمهم.

وشدد مشروع القانون على وجوب ضمان الولايات المتحدة أمن الطاقة بين الحلفاء، وعلى أهمية إنشاء الخط الجنوبي وخط الأنابيب الأدرياتيكي، لتقليل اعتماد أوروبا على روسيا في مجال الطاقة.

كما أشار إلى أهمية الشطر الرومي لجزيرة قبرص بالنسبة للولايات المتحدة، وذكر أن الإدارة الرومية الخاضعة لحظر السلاح منذ 1987، بدأت تشتري أسلحة من دول أخرى، بما لا يتوافق مع مصالح واشنطن.

واشترط لرفع حظر السلاح عن الإدارة الرومية، أن تتعهد الأخيرة بعدم تقديم خدمات الإمداد للسفن الحربية الروسية وتتعاون مع واشنطن في مكافحة أنشطة غسل الأموال.

وفي 2020، أعلن وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو أن قبرص الرومية استوفت الشروط المطلوبة، وأن الحظر المفروض على الأسلحة سيُرفع جزئيًا لتغطية مستلزمات الدفاع والحماية.

وبالتزامن مع هذا الإعلان، زار بومبيو جزيرة كريت واتفق مع الإدارة الرومية على نشر القوات الأمريكية في خليج سوادا.

عقب هذا الاتفاق، أنشأت الولايات المتحدة قاعدة بحرية قبالة جزيرة كريت، ودعمت مشروع توسيع ميناء في ألكساندروبولي تمهيدا لعمليات انتشار عسكرية أكبر.

والسبب الرئيسي وراء استثمار الولايات المتحدة العسكري في اليونان وقبرص الرومية هو تقليل اعتمادها على تركيا التي بدأت إتباع سياسات مستقلة في المنطقة، وكذلك تعزيز موقع واشنطن في صراعاتها مع الصين وروسيا.

ومنذ أن بدأت اليونان بتقديم عروض لواشنطن لتكون قاعدة بديلة للولايات المتحدة عن تركيا، زاد الوجود العسكري الأمريكي والقواعد الأمريكية في اليونان أكثر من الضعف منذ 2019، ليرتفع من 4 إلى 9 قواعد.

ومقابل هذا الحشد العسكري، تبرعت الولايات المتحدة بأنواع مختلفة من الأسلحة والمعدات لليونان، وتغاضت عن التوتر الذي تسببت فيه اليونان بانتهاك المجال الجوي التركي في بحر إيجه.

وفي 17 مايو/ أيار الماضي، ألقى رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس كلمة في جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين (الكونغرس) استهدف فيها تركيا.

ولأول مرة في التاريخ الأمريكي، خاطب زعيم يوناني الكونغرس، وجرى التصفيق لميتسوتاكيس 37 مرة خلال خطابه.

وعقب الخطاب، تم شن حملات عديدة في الكونغرس ضد تركيا بضغط من اللوبي القبرصي الرومي، وأُضيف إلى مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2023 شرط عدم استخدام أنقرة لمقاتلات "إف 16" التي ستشتريها ضد اليونان في بحر إيجه.

والركيزة الأخرى لاستراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة، هو إنهاء العلاقات القائمة بين روسيا وإدارة القبرص الرومية، وهي علاقات مستمرة منذ 1960، وتكثفت بعد فترة الحرب الباردة، حيث تبادل القادة ووزراء الخارجية الزيارات.

وتولي روسيا أهمية لعلاقاتها مع قبرص الرومية نظرًا لعضويتها في الاتحاد الأوروبي وموقعها الجغرافي، وفضّل العديد من رجال الأعمال الروس الاستثمار في الشطر الرومي للجزيرة.

من ناحية أخرى، هناك عوامل عديدة تجعل الروس يفضلون الإدارة القبرصية الرومية، أهمها "الجنسية مقابل الاستثمار (جواز السفر الذهبي)" وسهولة تحويل رأس المال والاستثمار إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وتعود العلاقات بين روسيا وإدارة قبرص الرومية في مجال الصناعات الدفاعية إلى الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي (1991)، حيث اشترت الإدارة من موسكو دبابات ومروحيات مقاتلة، ثم تكثفت العلاقات عقب الأزمة المالية في قبرص الرومية عام 2013.

وفي فبراير/ شباط 2015، وبالتزامن مع توتر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، تم توقيع 11 اتفاقية بين موسكو وقبرص الرومية في مجالات التجارة والطاقة والنقل والزراعة والثقافة والسياحة، علاوة على اتفاقية لتقديم خدمات الإمداد والتوريد إلى السفن الحربية الروسية في البحر المتوسط.

وتمنح هذه الاتفاقية سفن البحرية الروسية القدرة على استخدام الموانئ الرومية وتدريب العسكريين فيها.

وبعد 2015، رست سفن روسية في ميناء ليماسول الرومي عدة مرات، وعقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم شارك زعيم قبرص الرومية نيكوس أناستاسيادس في الذكرى السبعين لاحتفالات النصر في موسكو.

غير أن الحرب الروسية الأوكرانية، المستمرة منذ 24 فبراير/ شباط الماضي، طغت على هذه العلاقات، إذ أغلقت الإدارة الرومية العضو في الاتحاد الأوروبي موانئها ومجالها الجوي أمام الطائرات والسفن الروسية، ضمن عقوبات الاتحاد بحق موسكو.

وفي مارس/ آذار الماضي، لم تسمح الإدارة القبرصية الرومية لخمس سفن حربية روسية جاءت للتزود بالوقود بالرسو في ميناء ليماسول، وبالتالي استجابت الإدارة القبرصية الرومية لأول مرة لمطالب الولايات المتحدة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!