إسماعيل ياشا - عربي21

قام رئيس الجمهورية التركي، رجب طيب أردوغان، الخميس، بزيارة أذربيجان للمشاركة في افتتاح مطار زنغيلان الدولي في إقليم قره باغ المحرر، وهو المطار الثاني الذي تم إنشاؤه في الإقليم في وقت قياسي بمساهمة الشركات التركية، بعد معركة التحرير التي خاضها الجيش الأذربيجاني ضد الاحتلال الأرميني.

الرئيس التركي ونظيره الأذربيجاني انتقلا بعد افتتاح المطار إلى مدينة جبرائيل لوضع حجر الأساس لمحطة قطار قوملاق، بالإضافة إلى وضع حجر أساس مركز تدريب الغابات الأذربيجاني التركي، ومجمع الشتلات الذكي وغابة الصداقة. وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيسان في مدينة جبرائيل القريبة من الحدود الإيرانية، وجه كل من أردوغان وعلييف رسائل إلى إيران التي تجري مناورات عسكرية على حدودها مع أذربيجان.

علييف في رسالته إلى إيران دون ذكر اسمها قال إن "تركيا صاحبة كلمة في منطقة القوقاز ومركز قوة في العالم"، وحذر من مغبة الاعتداء على بلاده قائلا: "الأعلام التركية والأذربيجانية ترفرف جنبا إلى جنب في كل مكان، وعلى من يريد أن يمارس الظلم بحقنا أن يأخذ هذا بعين الاعتبار"، في إشارة إلى التحالف الاستراتيجي بين البلدين. وتفيد رسالة علييف بأن إيران إن اعتدت على أذربيجان فلن تواجه الجيش الأذربيجاني وحده، بل ستجد الجيش التركي أيضا معه.

أما أردوغان فكانت رسالته أكثر دبلوماسية، وحاول في تصريحاته أن يطمئن طهران، قائلا إن خوف بعض الأطراف من مشروع ممر زنغزور الذي سيربط نخجوان بأذربيجان ليس في محله، وأشار إلى أن الممر سيسهم في تعزيز السلام وأمن المنطقة واستقرارها، وسيوفر فرص التجارة والاستثمار لجميع دولها.

إيران قلقة للغاية منذ انتصار أذربيجان في معركة تحرير قره باغ وتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين أذربيجان وأرمينيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، لأن المادة التاسعة من مواد الاتفاقية تنص على إنشاء ممر يربط بين نخجوان وأذربيجان عبر أراضي أرمينيا. وهو ما تعتبره طهران خطرا استراتيجيا بالغا يهدد مصالحها القومية، وبالتالي تسعى إلى عرقلة إنشاء الممر بكل طريقة ممكنة.

الجيش الإيراني يجري مناورات عسكرية على حدود أذربيجان، ويهدد الإعلام الايراني باكو بعبور القوات الإيرانية نهر آراس لتدخل الأراضي الأذربيجانية. ويطلق مسؤولون إيرانيون تصريحات نارية يشددون فيها على أن طهران لن تسمح أبدا بتغيير الحدود، في إشارة إلى إنشاء ممر زنغزور بالقرب من الحدود الإيرانية الأرمينية. وكان وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، في العاصمة الأرمينية يريفان، في ذات اليوم الذي كان الرئيس التركي يزور فيه مدينتي زنغيلان وجبرائيل الأذربيجانيتين. كما افتتحت إيران، على عجالة، قنصلية عامة في مدينة كابان الأرمينية الواقعة بالقرب من ممر زنغزور المقرر إنشاؤه.

الطريق الوحيد الذي يربط حاليا بين نخجوان وأذربيجان يمر من الأراضي الإيرانية، وبعد إنشاء ممر زنغزور سيفقد ذاك الطريق أهميته إلى حد كبير، ومما لا شك فيه أن ذلك خسارة استراتيجية كبيرة لإيران. ولكن إنشاء ممر على الأراضي الأرمينية هو شأن يخص يريفان وباكو، وليس من حق طهران أن تتدخل في شؤون أذربيجان وأرمينيا وعلاقاتهما الثنائية، ولا أن تنتظر من الدولتين المستقلتين أن تراعيا المصالح الايرانية قبل مصالحهما القومية.

إيران تحتج على ممر زنغزور، وتعتبر إنشاءه "تغييرا للحدود"، كما تدَّعي بأنه سيقطع الطريق من إيران إلى جورجيا وشمال القوقاز وحتى إلى أوروبا عبر أرمينيا. إلا أن الممر الذي سيتم إنشاؤه على الأراضي الأرمينية لا علاقة له بتغيير الحدود، وأما الطريق من جنوب أرمينيا إلى شمالها يمكن أن يعبر الممر بسهولة عبر نفق أو جسر، وليس من الضروري أن يقطع أحدهما الآخر.

طهران وحدها لا تستطيع أن تمنع إنشاء ممر زنغزور من خلال التدخل العسكري، مهما لوّحت به في الأيام الأخيرة، لأنها تعرف جيدا أنه يؤدي إلى مواجهة مع أذربيجان وتركيا معا. ولكن ذلك لا يعني أنها لن تلجأ إلى سبل أخرى كالضغط على أرمينيا ومحاولة إشغال أنقرة وباكو بمشاكل أخرى تختلقها عبر وكلائها.

الحلقة الأضعف في ملف ممر زنغزور هي أرمينيا، ومن المتوقع أن تتركز الضغوط على يريفان لدفعها إلى التراجع عن الالتزام بما تنص عليه اتفاقية وقف إطلاق النار بشأن ممر زنغزور، في ظل أنباء تفيد بأن فرنسا وبعض دول الاتحاد الأوروبي نصحت يريفان أن لا تستعجل في التطبيع مع تركيا وأذربيجان، وأن تنتظر نتائج الانتخابات الرئاسية التركية المقرر إجراؤها في صيف 2023.

تطبيع يريفان علاقاتها مع أنقرة وباكو، وكذلك إنشاء ممر زنغزور، سيكون لصالح أرمينيا. ولكن يبدو أن هناك رغبة لدى الحكومة الأرمينية في الفصل بين مساري التطبيع مع كل من أذربيجان وتركيا، وتأجيل التطبيع مع باكو، وهو ما ترفضه أنقرة، كما أكد الرئيس التركي حين أشار إلى أن المسارين يدعمان بعضهما البعض، ودعا أرمينيا إلى "استغلال الفرصة بالشكل الأمثل" من أجل إنجاح مساري التطبيع، ما يعني أن الكرة الآن في ملعب رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، الذي التقى أردوغان وعلييف قبل أيام في العاصمة التشيكية براغ.

عن الكاتب

إسماعيل ياشا

كاتب تركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس