د. سمير صالحة - تلفزيون سوريا

اختتمت القمة العربية أعمالها في العاصمة الجزائرية، قبل أيام، بالتأكيد على رفض التدخلات الخارجية بجميع أشكالها في الشؤون الداخلية للدول العربية، والتمسك بمبدأ الحلول العربية للمشكلات العربية عبر تقوية دور الجامعة في الوقاية من الأزمات وحلها بالطرق السلمية، والعمل على تعزيز العلاقات العربية - العربية. مواقف استراتيجية مهمة ومحقة. المهم الآن هو ترجمة ما قيل واتفق عليه في الجزائر.

بعد عام واحد على وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم أبدت أنقرة رغبتها في الحصول على عضوية مراقب في جامعة الدول العربية. رحبت دول المنظمة بالاقتراح التركي ووجهت الدعوات إلى القيادات التركية للمشاركة بهذه الصفة في قمم عقدت في الخرطوم والرياض وسرت. قدوم الربيع العربي إلى المنطقة في العام 2010 انعكس سلبا على علاقات أنقرة مع العديد من العواصم العربية، ودخلت الأمور في مسار تصعيدي لم يتوقف سوى في أعقاب الانفتاح الخليجي التركي.

في منتصف تشرين الأول عام 2019 قرر مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، النظر في اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة "العدوان التركي" على سوريا بما في ذلك خفض العلاقات الدبلوماسية ووقف التعاون العسكري، ومراجعة مستوى العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياحية مع تركيا. كما قرر تشكيل لجنة تضم مصر والسعودية والإمارات والبحرين والأمانة العامة لجامعة الدول العربية لمتابعة السياسات التركية حيال العالم العربي. الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، حسام زكي، أعلن في منتصف حزيران عام 2020 أن تركيا أصبحت "تقلد إيران" في أساليبها تجاه العالم العربي من خلال "استغلال الأزمات وإذكاء نار الفتنة والخلاف". وفي شهري آذار وأيلول من عام 2022 أعربت اللجنة "عن قلقها من استمرار الوجود العسكري التركي على أراضي عدد من الدول العربية وشددت على ضرورة سحب تركيا لقواتها بشكل فوري دون قيد أو شرط من سوريا والعراق وليبيا".

يواجه العالم العربي منذ عقود معضلة تدخل القوى الكبرى بأزماته وقضاياه بحسب تقارب وتباعد المصالح. أنقرة وطهران لم يكن لهما هذا الثقل القادر على التأثير في ملفات عربية، إلا بعد انقلاب المشهد في إيران في أواخر السبعينيات ووصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا في العام 2002.

دانت جامعة الدول العربية في أيلول المنصرم "التهور السياسي في المنطقة من جانب تركيا وإيران". وقال أمينها العام إنه في العقد الأخير أظهرت تركيا وإيران "نهمًا ورغبة في الانقضاض على ما تصوروا أنه مكاسب لهما بسبب الفوضى التي دخلت فيها بعض دول المنطقة منذ 2011".

رد الخارجية التركية على المواقف المتعلقة بها لم يتأخر طبعا "مزاعم لا أساس لها ضد بلدنا، ونرفض تماما هذه القرارات والتصريحات التي اتخذت تحت تأثير بعض المصالح الفردية ضيقة الأفق وقصيرة الأمد، تحرم جامعة الدول العربية من فرصة تقديم مساهمة ملموسة وبناءة ومستدامة في حل المشكلات الإقليمية". لكن بيان قمة الجزائر قلب الأمور رأسا على عقب. لافت طبعا أن يتم تغييب اسم تركيا وإيران معا عن البيان الختامي للقمة، وأن لا يأخذ القادة العرب بتوصيات مجلس وزراء الخارجية ولجان الخبراء الذين طالبوا بإدراج البلدين علنا كدول تتدخل بملفات وقضايا عربية بحتة.

حسنت تركيا من علاقاتها مع الدول العربية. إيران لم تفعل ذلك فلماذا حذف البند العربي المتعلق بإيران في قمة الجزائر؟ وما الذي تغير خلال أسابيع ليمتنع القادة العرب عن الالتزام بتوصيات وزراء خارجيتهم؟ هل هو بيان الخارجية التركية الذي نشر قبل ساعات من انعقاد قمة الجزائر الداعي إلى الانفتاح والتعاون والتنسيق بين الجانبين؟ أم هناك من أقنع مصر التي كانت تتمسك بإدراج اسم تركيا بشكل مباشر كما حدث في بيانات سابقة بالتخلي عن موقفها هذا؟

المؤكد هو أن أنقرة استفادت من الانفراجة الحاصلة في علاقاتها مع العديد من الدول العربية في العامين الأخيرين وفي قرار العودة إلى سياسة تصفير المشكلات التي تعرضت قبل عقد إلى الامتحان الصعب في سياستها السورية والمصرية والعراقية والخليجية والليبية. والمؤكد أن قمة الجزائر أبدت انفتاحا على الموقف التركي الذي أعلنه الناطق باسم الخارجية قبل ساعات من انطلاق أعمالها، والذي أعرب فيه عن أمل تركيا أن تكون القمة وسيلة لمرحلة جديدة من العلاقات بين الجانبين "واستعداد تركي للعمل مع جميع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، التي تولي أهمية لإرساء الاستقرار والازدهار في المنطقة كهدف مشترك". لكن المؤكد أيضا أن قمة الجزائر العربية أرضت إيران كذلك عندما قررت وضعها على مسافة واحدة مع تركيا في بند التدخل بشؤون العالم العربي، وعاملتها بنفس الطريقة التي أرادها بعض الدول المشاركة، انتقاما لفشله في تصفية الحسابات الإقليمية مع تركيا كما يبدو.

قد تكون رسائل قمة الجزائر تهدف لتخفيف التوتر التركي – العربي، إلا أن مضمون البيان الختامي والتعديلات الجذرية التي أدخلت على البنود المتعلقة بتركيا وإيران تقول إن نقاشات مفصلية وعميقة رافقها تباعد في وجهات النظر بخصوص مسودة البيان وطريقة التعاطي مع أنقرة. حاول البعض تكرار سيناريو آذار وأيلول وإبقاء المواقف على حالها باتجاه تركيا، لكنه وجد نفسه يدخل في مواجهة مع دول وقفت إلى جانبه في السابق وهي تبدل موقفها ورأيها اليوم.

لماذا خيب القادة العرب آمال وزراء خارجيتهم في الجزائر وعدلوا مسودة البيان الختامي؟ ليس حتما لإرضاء تركيا وإيران، بل لأن مشكلتهم كانت وضع البلدين على مسافة واحدة في علاقة العالم العربي بهما والوصول إلى نقطة استحالة الفصل بينهما تجنبا لإرضاء طرف على حساب إرضاء طرف آخر.

المؤشر الحقيقي حول وجود خلافات بين المندوبين والسفراء العرب حيال الموقف من تركيا وإيران وترك القرار النهائي للقمة كشف النقاب عنه مندوب الجزائر الدائم لدى الجامعة العربية، السفير عبد الحميد شبيرة، الذي تحدث عن خلافات سجلت بين مندوبي الدول الأعضاء إزاء مسائل سياسية أبرزها علاقة الدول العربية مع كل من تركيا وإيران، والتي تقرر رفعها إلى اجتماع وزراء الخارجية للنظر والبت فيها قبل دراستها على مستوى القمة.

هناك تحول علني في مواقف أنقرة وعلاقاتها مع العديد من الدول العربية والخليجية تحديدا باتجاه إيجابي رغم التوتر التركي المصري المتواصل في الملف الليبي وموضوع الطاقة في شرق المتوسط، ومطالبة بغداد بانسحاب القوات التركية من الأراضي العراقية. لكن ملفات الخلاف والتباعد العربي مع طهران كثيرة لا تعد وتحصى على 4 جبهات محورية وأسبابها سياسية وعقائدية وأمنية واقتصادية. فكيف صدر بيان القمة على هذا النحو؟

سنعرف عاجلا أم آجلا ما جرى تحت سقف القمة ولماذا تراجعت القيادات عن قبول توصية الاجتماعات التحضيرية حول تركيا وإيران؟ وأي نوع من المساومات ووسائل الإقناع تم اللجوء إليها؟ حدث في كواليس قمة الجزائر ما لا نعرف عنه الكثير بعد. هو حتما ليس بالموقف العربي الجماعي الانفتاحي على البلدين كبادرة حسن نية وفرصة لحلحلة الخلافات والأزمات.

كانت هناك مسودة بيان ختامي نشر الإعلام العربي تفاصيلها تتحدث عن تنديد وإدانات بالأسماء والأحداث في سياسات ومواقف تركيا وإيران، لكن ما أعلن في القرارات الرسمية النهائية حمل معه الكثير من المفاجات. تركيا ما زالت عسكريا في سوريا وليبيا والعراق وقطر والصومال وكلها كانت مسائل خلاف وتباعد مع العديد من الدول العربية. لكن بيان قمة الجزائر صدر بغير ما اعتدنا عليه في بيانات عربية سابقة. التحول في سياسات تركيا العربية أولا. الانفتاح والتقارب التركي الخليجي ثانيا. القراءات العربية للدور الإقليمي المحوري في ملفات إقليمية ودولية بينها موضوع الطاقة في شرق المتوسط والتقارب التركي الروسي الغازي بطابع استراتيجي ثالثا. الجهود التي تبذلها أنقرة على خط التهدئة ونقل الحبوب الأوكرانية إلى الخارج رابعا. كلها في مقدمة أسباب غياب تركيا عن بيان قمة الجزائر. لكننا لم نعرف بعد أسباب غياب إيران عن البيان؟ هل تكون مصر هي من حذف اسم إيران من البيان بعدما وصلت إلى طريق مسدود في الإصرار على إدراج اسم الفقرة المتعلقة بتركيا؟

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس