سعيد الحاج - عربي21

رغم تكاثر ملفات السياسة التركية داخلياً وخارجياً وتزاحمها وتعقّدها، تبقى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة الغائب الحاضر في الأجندة السياسية والإعلامية للبلاد. ورغم أنه من المقرر إجراؤها في حزيران/ يونيو المقبل مع هامش ضئيل لاحتمالية تبكيرها قليلاً، إلا أنه من الممكن القول دون كثير من المبالغة إن البلاد تعيش أجواءً انتخابية فعلاً، وإن الحملات الانتخابية قد بدأت ضمناً وفعلياً وإن بشكل غير رسمي بالتأكيد.

في مقال سابق لي تحدثت عن أخطاء وعثرات للمعارضة التركية، ولا سيما "طاولة الستة" التي تضم ستة أحزاب رئيسة تسعى للعودة بالبلاد للنظام البرلماني بقيادة حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة. وقد ذكرت من بين أهم هذه الأخطاء تشتت هذه الأحزاب وخلافاتها، وغياب المرشح التوافقي للانتخابات الرئاسية، وغياب البرامج المقنعة للناخبين، ومعضلة المصداقية في موضوع المصالحات مع الشريحة المحافظة تحديداً، والمعارك الهامشية التي خاضتها المعارضة وأحياناً في ملعب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم.

وقد ذكرتُ في ذلك المقال أن كل ذلك لا يعني أن الانتخابات محسومة لأردوغان والعدالة والتنمية، إذ أن للأخيرَيْن كذلك أخطاؤهما التي وعدتُ بالإشارة لها في مقال قادم، هذا هو.

يحكم حزب العدالة والتنمية تركيا منفرداً وبشكل متواصل منذ 20 عاماً، ويتسيد الحياة السياسية في البلاد كحزب حاكم يملك منصب الرئاسة (ورئاسة الوزراء في النظام البرلماني سابقاً) والأغلبية البرلمانية مع حليفه حزب الحركة القومية. ولذلك، ينطبق عليه ما ينطبق على الأحزاب التي تحكم طويلاً دون منافسة حقيقية من المعارضة، مثل ترهل الكوادر وضعف الإنجاز وتراجع القدرة على إقناع الناخبين.. الخ.

يضاف لذلك بعض الأخطاء السابقة على جدول أعمال الانتخابات، مثل الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس وفق النظام الرئاسي المستجد، والتحالف مع حزب الحركة القومية الذي أضر بالعدالة والتنمية كحزب فكرياً وسياسياً وانتخابياً وإن أفاد أردوغان في الانتخابات الرئاسية، والمركزية الشديدة لأردوغان في قيادة الحزب والحكومة، وتراجع أجندة الإصلاح.

تلقي هذه الأخطاء بطبيعة الحال بظلالها بشكل غير مباشر على الانتخابات المقبلة وفرص أردوغان وحزبه فيها، لكن ثمة أخطاء ترتبط بشكل مباشر بسياق الانتخابات المقبلة واحتمال تأثيرها فيها أكبر.

أول هذه الأخطاء عدم التجاوب فعلياً مع رسائل صندوق الانتخابات رغم الخطاب الرسمي بهذا الاتجاه. يعاني العدالة والتنمية تآكلاً تدريجياً وبطيئاً في شعبيته في السنوات الماضية، وبعد كل استحقاق انتخابي يرد على لسان الرئيس التركي في "خطاب الشرفة" أو خطاب النصر أن الرسالة وصلت، وأن الحزب سينظر في سياقات احتجاج بعض الشرائح والتصويت العقابي ويعمل على أساسها. لكن في الاستحقاقات الأخيرة ذهب الحزب لتغيير بعض الكوادر في فروعه المختلفة ما يعكس تقديراً بأن تقاعس هذه الكوادر هو السبب الرئيس وراء التراجع، وليس تحفظ بعض الناخبين على أفكار وخطاب وسياسات بعينها.

والخطأ الثاني كان التفريط في قيادات وازنة في الحزب؛ بعضها بين مؤسسيه الكبار الأوائل وبعضها الآخر من ذوي المساهمات الكبيرة في مسيرته وإنجازاته ونجاحاته. وبغض النظر أَخَرَجَ أولئك من الحزب أم أُخرجوا، فقد كان بالإمكان الإبقاء عليهم داخل أطر الحزب (وذلك مسار له استحقاقاته) بدل أن يتحولوا لمنافسين وخصوم. والنتيجة أن حزب العدالة والتنمية يواجه للمرة الأولى منذ تأسيسه منافسة من أحزاب تشترك معه كثيراً في الأفكار والتوجهات والبرامج، وتقودها شخصيات وازنة وقيادية سابقة فيه. وهذا من أهم أسباب تراجع شعبية الحزب ونسبة التصويت له في استطلاعات الرأي مؤخراً، إذ تسحب هذه الأحزاب من رصيده وحاضنته الشعبية بنسب متفاوتة.

وثالثاً، لعل حزب العدالة والتنمية هو السبب الرئيس خلف توحد أحزاب المعارضة ضده في الانتخابات السابقة وعملها على التنسيق ضده في القادمة رغم التباينات والخلافات بينها، الأمر الذي لم يكن وارداً ولا متوقعاً قبل سنوات. فهو (أي العدالة والتنمية)، صاحب فكرة تشريع التحالفات الانتخابية بعد إقرار النظام الرئاسي، وهو الذي تبنى خطاباً حاداً تجاه بعض هذه الأحزاب، ولم ينجح في استمالة بعضها الآخر لتحالفه الحاكم.

وهناك معضلة الأجانب وتحديداً السوريين المقيمين على الأراضي التركية، كورقة تشهرها المعارضة في وجه الحزب الحاكم وتستغلها أحزاب وتيارات عنصرية مؤخراً. ذلك أنه باستثناء بعض المحطات الحساسة، بدا وكأن العدالة والتنمية والحكومة قد ضعفا أمام هذا الخطاب فتبنت الحكومة سياسات متماشية مع مطالب هذه الفئات، وأحياناً كان الخطاب الرسمي متناغماً معها في سعي من العدالة والتنمية لسحب البساط من تحتها، كما ورد على لسان مرشح الحزب لانتخابات بلدية إسطنبول الكبرى في 2019 بن علي يلدرم.

والذي يبدو أن الحزب غير متنبه له؛ أن عدم مواجهة هذا الخطاب الذي يشمل معلومات خاطئة وإشارات كراهية وتحريض، عبر تبني موقف واضح وسردية مقنعة أمام المواطنين، والتماشي أحياناً مع مطالب المعارضة أو التيارات العنصرية، عدا عن أنه مضر بالأجانب وحصلت فيه بعض التجاوزات، فإنه لا يفيد العدالة والتنمية لا سياسياً ولا انتخابياً، بل لعله يضره من حيث لا يدري ويدعم الآخرين.

وأخيراً، فإن طريقة إدارة بعض تفاصيل الملف الاقتصادي أضرت بصورة الحزب إلى حد كبير. ولا أقصد هنا تبني سياسات عارضتها معظم الأحزاب الأخرى والخبراء الاقتصاديون، فهذا رهان اقتصادي وسياسي اختاره الرئيس أردوغان وحزبه عن عمد وإصرار، وإنما القصد الانطباعات التي تولدت من التغييرات المتتالية في منصبَيْ وزير المالية ومحافظ البنك المركزي على سبيل المثال.

ختاماً، وكما قلتُ في المقال السابق، فإن كل ما سبق لا يعني حتمية نتيجة الانتخابات بهذا الاتجاه أو ذاك، ولا إمكانية الجزم بالنتائج من اليوم، ولكنها أخطاء وعثرات تتيح المجال للطرف الآخر لاستثمارها في الحملات الانتخابية ومحاولة ترجيح كفته في الصندوق.

ذلك أنه من المتعذر الحديث في النتائج المحتملة للانتخابات المقبلة قبل اتضاح المشهد الانتخابي تماماً، وتحديداً عدد الاحزاب المشاركة في الانتخابات، وخريطة التحالفات الانتخابية بشكلها النهائي؛ إذ الحالية مرشحة للتغيير، وعدد وأسماء وخلفيات المرشحين للانتخابات الرئاسية، وما قبل ذلك قد يكون محض تكهنات بلا أسس واضحة.

عن الكاتب

سعيد الحاج

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس