توران قشلاقجي - القدس العربي

في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، أكمل «حزب العدالة والتنمية» التركي عامه العشرين من الحكم المتواصل في البلاد. تمكن الحزب من الوصول إلى السلطة بمفرده في 3 نوفمبر 2002، أي بعد عام واحد من تأسيسه، محققا نجاحا لا مثيل له في الحياة السياسية متعددة الأحزاب في تركيا.

وهناك الكثير من العوامل التي تقف وراء هذا النجاح، وأولى العوامل التي تتبادر إلى الذهن في هذا الصدد، هي القيادة والقدرة على تجديد النفس، من دون قطع الروابط مع الناخبين وسياسة الخدمات/ الإنجازات، والكفاح ضد الوصاية، وتحقيق الإصلاحات والاستخدام الفعال للوظيفة التحويلية للسياسة الخارجية، وإدارة الأزمات بمهارة، وضمان التكيف من خلال إحسان قراءة الظروف السياسية الداخلية والخارجية.

وقد تميز زعيم الحزب والرئيس الحالي للبلاد رجب طيب أردوغان، عن منافسيه باستمراره عبر ديناميكيته وبعد نظره الاستراتيجي وبراغماتيته وعزيمته في النضال وقدرته على الوصول إلى عمق الشعب بسهولة. ونظم الحزب بمناسبة الذكرى السنوية الـ20 لتوليه السلطة منتدى مهما في إسطنبول بين 4 و5 نوفمبر، تحت عنوان «السياسية والآفاق الجديدة في القرن الـ21»، ليؤكد متابعته الوثيقة للتغيّرات التي يشهدها العالم، وكان هذا المنتدى أحد اللقاءات الفكرية المهمة التي نظمها حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة. وشارك فيه الرئيس أردوغان وشخصيات بارزة من بلدان عدة، واستهدف المنتدى عرض «مقترحات من أجل خير الإنسانية»، وطرح إجابات وحلول لتساؤلات ومشاكل السياسة في القرن الحالي.

وأشرف على تنظيم المنتدى، وكيل رئيس حزب العدالة والتنمية نعمان قورطولموش، ونائبا الرئيس أفكان آلا، ومصطفى شان، وعضو لجنة القرار والإدارة المركزية عائشة بوهورلر. وتناولت الفعالية قضايا تخص العلاقات الدولية السائدة حاليا في العالم، بما في ذلك الأسلحة النووية وحروب الطاقة والمناخ والهجرة والأزمات الإنسانية والتهديدات العالمية، بمشاركة شخصيات بارزة من بلدان كثيرة، بينها الولايات المتحدة وألمانيا وأذربيجان وفرنسا والمملكة المتحدة وجنوب افريقيا وجورجيا وإيطاليا وقطر ولبنان وموريتانيا والنرويج وباكستان وروسيا وسنغافورة وصربيا وأوكرانيا والأردن.

وألقى البروفيسور قورطولموش، الكلمة الافتتاحية للمنتدى، الذي استمر لمدة يومين، وأكّد خلالها أن حزب العدالة والتنمية يحترم منذ تأسيسه الحوار والأفكار الجديدة، والآراء التي ستظهر نتيجة التفكير المشترك، ويطرح النتائج التي تعود بالفائدة على البلاد والإنسانية جمعاء. وذكر قورطولموش أن العامل البشري يقف وراء معظم التحديات القائدة، مثل المشاكل الإنسانية والتهديدات العالمية والحروب والهجرة والمناخ وأزمة الطاقة والأمن.

وشدّد قورطولموش على أن العالم يواجه مشكلة القومية المتطرفة والعنصرية المتصاعدة بوتيرة عالية، لاسيما في الدول الغربية، محذرا من وجود تيارات يمينية جديدة، في مقدمتها معاداة المسلمين، تؤثر في السياسة السائدة وتسممها. وقال إن جائحة كورونا كشفت عن أمور كثيرة لم تكن ظاهرة للعيان في السابق، منتقدا عدم انتهاج سياسة مشتركة ومقاربات عالمية عادلة من قبل الدول إزاء الوضع. وأشار إلى تصدر أزمات الطاقة والمياه والغذاء للمشهد العالمي في الوقت الراهن، داعيا إلى اتخاذ خطوات تركز على إيجاد الحلول المناسبة وتبني وجهات نظر تقوم على حل النزاعات عبر التوافق المتبادل وبطريقة منصفة.

أمّا الرئيس أردوغان، فقد أكد خلال كلمة ألقاها في اليوم الأخير المنتدى، أن السياسة لا يمكن أن تُمارس من أجل حسابات آنية وقصيرة الأجل، وإنما هي بمثابة تخطيط للمستقبل، مثل لاعب شطرنج محترف. وقال أردوغان إنهم لم يبحثوا عن الحل في مكان آخر لمواجهة التهديدات التي تستهدف الحزب والديمقراطية، بل حرصوا على إيجاده بناء على مطالب الشعب. وأضاف: «نحن كيان سياسي غيّر بشكل جذري معايير السياسة في تركيا، فضلا عن كونه حزبا حقق الإنجازات الأولى وسجل الأرقام القياسية التي يصعب تسجيلها. تلك الصفحة الطاهرة التي فتحناها في السياسة التركية ملأناها بالخدمات والاستثمارات والمشاريع والإصلاحات التي سطرناها في تاريخنا الديمقراطي بأحرف من ذهب. وأثناء انشغالنا بتغير تركيا والسياسة التركية بشكل جذري، لم نهمل أنفسنا بالتأكيد. وبينما قمنا بتثبيت أقدامنا على قيمنا العريقة، نمضي بالأخرى وراء الأجمل والأفضل والأحدث والأكثر فائدة».

من جهته استشهد نائب رئيس حزب العدالة والتنمية والمتحدث باسم الحزب عمر جليك، بمقولة للمفكر والسياسي والمنظر الاشتراكي الإيطالي أنطونيو غرامشي، وهي أن العالم القديم يموت والعالم الجديد يكافح من أجل الولادة، وما بينهما هو زمن الوحوش. وشدّد جليك على ضرورة السعي لمكافحة الوحوش وضمان هيمنة الخير على العالم إلى أن يتم إنشاء عالم جديد عادل. واقترحت عالمة السياسة الباكستانية رابعة أختر، تنظيم منتديات مشابهة لمنتدى «السياسية والآفاق الجديدة في القرن الـ21»، في بلدان أخرى، نظرا للاهتمام الذي حظي به.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس