ترك برس

في ظل الحديث عن تطبيع محتمل بين أنقرة ودمشق، أطلقت القوات المسلحة التركية، في 20 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عملية عسكرية جوية ضد مواقع لميليشيات "واي بي جي/ بي كي كي" الإرهابية شمالي سوريا، ما أثار تساؤلات حول تأثر مسار التطبيع بين البلدين بالعملية المذكورة.

وعقب مصافحته نظيره المصري في قطر، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن نفس الشيء يمكن أن يحصل مع سوريا، فاتحا الباب أمام لقاء قد يجمعه بنظيره السوري بشار الأسد بعد الانتخابات العامة في تركيا في يونيو/حزيران المقبل.

التقارب مستمر رغم "المخلب-السيف"

وبعيد انطلاق عملية "المخلب-السيف" الجوية شمالي سوريا، كرر أردوغان التعبير عن إمكانية حصول لقاء مع الأسد حتى قبل الانتخابات. وفي 23 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وردا على سؤال من أحد المراسلين في البرلمان عما إذا كان بإمكانه مقابلة رئيس النظام السوري، قال أردوغان "هذا ممكن. لا مجال للنقمة في السياسة"، وأضاف "في النهاية، يتم اتخاذ الخطوات في ظل أفضل الظروف".

في المقابل، نقلت جريدة "الأخبار" اللبنانية المقربة من النظام السوري، تأكيد الأسد خلال اجتماع مغلق مع صحفيين أن التواصل مع أنقرة الآن ذو طابع "استخباراتي فقط، لكن سيتبعه رفع لمستوى اللقاءات"، كاشفا أن "تركيا أبدت استعدادا لتلبية مطالب دمشق".

وفي حين شدد الأسد على أن "سوريا تنتظر من تركيا أفعالا لا أقوالا فقط"، أثنى ضمنيا على موقف أنقرة من التقارب مع نظامه قائلا إنه "ربما تكون أنقرة أصدق من بعض العرب في توجهاتها، لكن لا يمكن الحكم على الموقف التركي إن كان جديا أو مجرد مناورة سياسية".

ومع تهديد أنقرة بتوسيع عمليتها الجوية "المخلب-السيف" لتشمل عملا عسكريا بريا، برزت تساؤلات حول ما إذا كان تحويل أنقرة تهديدها إلى واقع سيؤثر على مسار التقارب والتطبيع بينها وبين دمشق.

ما علاقة التقارب بالعملية البرية؟

وفي هذا الإطار، نقل تقرير لـ "الجزيرة نت" عن المحلل السياسي والباحث المتخصص في الشأن التركي، سعيد الحاج، قوله إن التصريحات التركية الأخيرة حول التقارب مع النظام السوري والتي تعطي انطباعا بأن عملية التطبيع تتسارع، يمكن قراءتها من زاوية الأهداف التركية المتعلقة بشمال سوريا، سواء لتأسيس منطقة آمنة أو مواجهة التنظيمات الانفصالية.

وأضاف الحاج أن التوقيت يدل على علاقة مباشرة بالعملية البرية التي تلوح بها تركيا، فهي تبعث برسائل واضحة لما يسمى بـ "قوات سوريا الديمقراطية" بأن "اللعبة التي كانت تلجأ إليها من خلال تبادل الأدوار مع النظام لحماية نفسها لم تعد قائمة".

وكانت شبكة الجزيرة القطرية قد نقلت عن مصادر رسمية تركية قولها إن تركيا اشترطت انسحاب ما تعرف بـ "قوات سوريا الديمقراطية" من منبج وعين العرب (كوباني) وتل رفعت في شمال سوريا للتراجع عن عمليتها.

وأضافت المصادر أن أنقرة اشترطت أيضا عودة مؤسسات النظام السوري بديلا عن "قوات سوريا الديمقراطية"، بما فيها القوات الأمنية وحرس الحدود.

إحلال قوات النظام مكان "قسد"

ونوه الحاج إلى أن "مواجهة قسد ومشاريعها مصلحة مشتركة بين دمشق وأنقرة، كما أن تركيا باتت أكثر تقبلا لفكرة وجود النظام محل قسد"، ولكن ليس على طريقة ما حصل بعد عملية "نبع السلام"، وفق المحلل السياسي.

وكانت تركيا قد أعلنت وقف عملية نبع السلام في أواخر 2019 بعد عقد اتفاق سوتشي مع روسيا الذي تعهدت الأخيرة فيه بإبعاد ميليشيات "واي بي جي/ بي كي كي" عن الحدود التركية حتى 30 كيلومترا وإحلال قوات النظام السوري محلها، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع.

ويرى الحاج أن هذا ما دفع أنقرة، وفق ما نقلت وسائل إعلام عن مصادر تركية رسمية، إلى عدم قبولها بحلول قوات النظام محل قسد شكليا، في محاولة خداع أو مناورة، كتبديل أعلام أو مواقع، وبعد زوال التهديد بالعملية تعود الأمور إلى سابق عهدها.

قواسم مشتركة تعزز التقارب

من جهته، أكد الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو، أن ما يهم تركيا حاليا بالدرجة الأولى هو "إبعاد مليشيات واي بي جي/ بي كي كي عن حدودها وضمان أمنها، وليس المهم شن عملية عسكرية أو حرب"، وهو ما يفتح الباب على مزيد من التقارب بين أنقرة ودمشق.

وقال الباحث التركي: "لا ننسى أن العنوان العريض في التقارب بين أنقرة ودمشق هو مكافحة الإرهاب"، وأضاف أنه منذ بداية الثورة في سوريا كانت تركيا ضد التقسيم، وهذا قد يكون قاسما مشتركا حاسما بينها وبين النظام.

من جهته يرى سعيد الحاج أن "جدية تركيا في هذه العملية تجعل قوات سوريا الديمقراطية هدفا مشتركا لأنقرة ودمشق، وبالتالي فهي حتى قبل انطلاقها تدعم مسار التطبيع بينهما".

وفي حال حصول العملية البرية، استبعد الحاج أن يكون لها أي آثار سلبية على التطبيع بين الجانبين، ولفت إلى أنه في المقابل إذا ما نُفذت شروط تركيا من خلال حلول قوات النظام محل "قسد" فإن هذا سيكون له تأثير إيجابي على مسار التطبيع القائم ويمكن أن يسرعه.

وتتواصل لليوم الـ 14 على التوالي عملية "المخلب ـ السيف" العسكرية التي أطلقتها تركيا ضد تنظيم "واي بي جي/ بي كي كي" الإرهابي شمالي سوريا، وذلك بعد قرابة أسبوع من وقوع تفجير إرهابي بشارع الاستقلال قرب ميدان تقسيم وسط إسطنبول، حيث كشفت التحقيقات وقوف التنظيم الإرهابي المذكور وراءه.

ولمرات عدة، تعلن تركيا أن هدف عملياتها العسكرية شمالي سوريا هو إقامة "حزام أمني من الغرب إلى الشرق" على طول حدودها الجنوبية والجنوبية الشرقية مع كل من سوريا والعراق.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!