محمود علوش - الجزيرة

كرئيس أمر بانسحاب الجيش الأميركي من أفغانستان بعد عقدين من الغزو، ويُدير منذ أشهر مواجهة عسكرية بالوكالة مع روسيا في أوكرانيا، ويسعى في الوقت نفسه لتركيز الجهد الأميركي على المنافسة مع الصين، ويعمل على تقليص الارتباط الأمني الأميركي بالشرق الأوسط، يجد جو بايدن نفسه أمام مُعضلة أخرى تتمثل بتحديد ما إذا كان سينبغي على بلاده الاحتفاظ بوجودها العسكري في سوريا.

منذ توليه السلطة، قرر بايدن تركيز الأهداف على مواجهة خطر عودة تنظيم الدولة (داعش) رغم أن الوجود العسكري الأميركي في سوريا محدود للغاية ولا يتجاوز 900 جندي، إلا أنه يشكل صدعاً مستمراً لواشنطن. فمن جانب، تعمل العلاقات الأميركية مع وحدات "حماية الشعب" الكردية على توتر متزايد في العلاقة مع تركيا، ومن جانب آخر أضحى الانسحاب الأميركي من سوريا هدفا رئيسيا لكل من تركيا وروسيا وإيران ودمشق. في ظل الضغط العسكري التركي المتجدد على الوحدات الكردية، وتصاعد مخاطر حدوث احتكاك بين القوات الأميركية والروسية التي تعمل على مسافة قريبة شمال شرق سوريا، فإن الرئيس بايدن سيجد صعوبة في تجاهل اتخاذ قرار بشأن مستقبل الوجود العسكري الأميركي في هذه البلاد.

لا تزال إدارة بايدن تتجنب الخوض في نقاش علني بهذا الخصوص، وتربط البقاء الأميركي في سوريا بالحاجة المستمرة إلى مواجهة خطر عودة داعش، لكن العوامل المعقدة الأخرى المرتبطة بهذه المسألة تجعل من الصعب على واشنطن تجاهل تقرير مستقبل البقاء في سوريا، وتزيد من المخاطر على القوات الأميركية.

وقد لوحت تركيا مؤخراً بشن عملية عسكرية برية جديدة ضد الوحدات الكردية، رغم التحذيرات الأميركية من أن تؤدي إلى تهديد سلامة القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة. وقد تحدثت تقارير مؤخرا عن أن بعض الضربات الجوية التركية الأخيرة كانت على مقربة مباشرة من الجنود الأميركيين. بالتوازي مع ذلك، أدى تراجع فعالية خط التواصل القائم بين الجيشين الأميركي والروسي في سوريا -بعد الحرب الروسية الأوكرانية- إلى تزايد مخاطر حدوث صدام بين الجانبين.

في غضون ذلك، سمحت روسيا لتركيا مؤخراً باستخدام المجال الجوي السوري الذي تسيطر عليه لشن ضربات ضد الوحدات الكردية. في حين أن موسكو لا تزال تعارض بوضوح توغلا تركيا جديدا في المنطقة، إلا أنها تمنح أنقرة هامشاً أكبر من التحرك العسكري من أجل زيادة الضغط على القوات الأميركية. كما تعمل على وساطة بين أنقرة ودمشق لإنهاء القطيعة بينهما، والتعاون الأمني المشترك ضد الوحدات الكردية.

على عكس السنوات الماضية التي التقت فيها مصالح موسكو وواشنطن في تقييد قدرة أنقرة على استهداف الوحدات الكردية، فإن الشراكة بين تركيا وروسيا في سوريا، والتي تنامت بشكل أكبر بعد الحرب الروسية الأوكرانية، تشكل عامل ضغط إضافيا على واشنطن. ولا تزال الإدارة الأميركية تبدي رغبتها في مواصلة العلاقة مع الوحدات الكردية، وتعارض بشدة عملية برية تركية محتملة، بيد أن قدرتها في التأثير لردع الخطط التركية ضعفت بشكل متزايد.

وبالنظر إلى أن أنقرة وسعت من الهامش المتاح لها من خلال التنسيق المتزايد مع روسيا والانفتاح على دمشق، فإن الموقف الأميركي أصبح أكثر عرضة للتأثر بتحولات الصراع السوري. ومع ذلك، لا تزال أنقرة تواجه عقبتين أساسيتين تتمثلان في صعوبة إبعاد واشنطن عن الوحدات الكردية، وفي دفع موسكو إلى دعم خططها لتوسيع حدود المناطق الآمنة التي أنشأتها في الشمال السوري منذ 6 سنوات. وما يبدو واضحا أن هاتين العقبتين تضغطان بالفعل على تركيا للتريث في إطلاق عملية جديدة، لكن الضغط العسكري على الأرض -مصحوبا بضغط سياسي على موسكو وواشنطن- يعمل تدريجيا على تقويض قدرة روسيا والولايات المتحدة في احتواء الاندفاعة التركية الحالية.

ورغم ذلك، فإن التأثير الأميركي على التوجهات التركية في سوريا بات أضعف من ذي قبل، كون أنقرة نجحت سابقاً في شن سلسلة توغلات برية شمال سوريا مع عواقب محدودة، فضلا عن التحولات الكبيرة التي أحدثتها على سياستها في سوريا. ويمكن للولايات المتحدة أن تلجأ إلى التلويح بإنهاء أو تجميد خطط بيع تركيا مقاتلات "إف 16" كوسيلة ضغط عليها لردعها عن العملية البرية المحتملة، لكن مثل هذا الضغط ينطوي على مخاطر أكبر.

وعلاوة على أن تهديد هذه الصفقة قد يدفع تركيا إلى البحث عن بديل آخر للمقاتلات الأميركية من روسيا، فإن تصعيداً جديداً في الأزمة مع أنقرة قد يُشجعها على المضي قدماً في عرقلة مشروع ضم فنلندا والسويد إلى حلف الناتو. ومع أن خيارات الضغط الأميركي تبدو محدودة، إلا أن تمسك واشنطن بالعلاقة مع الوحدات الكردية تعكس 4 أمور مهمة.

أولاً: قلة المسؤولية التي لا تزال واشنطن تبديها في التعاطي مع الهواجس الأمنية لشريك إستراتيجي لها وحليف مهم في حلف الناتو.
ثانيا: المأزق المتزايد للولايات المتحدة في الموازنة بين الشراكة مع تركيا والعلاقة بالوحدات الكردية،
ثالثا: العلاقة بالوحدات تتجاوز مسألة مكافحة الإرهاب، وباتت تشكل الورقة المتبقية للولايات المتحدة للبقاء في سوريا.
رابعاً: عجز واشنطن المتزايد في مقاومة التحولات التي طرأت على الحالة السورية السنوات الأخيرة.

مثل هذه الضغوط قد تشكل حافزاً لواشنطن للبحث عن تسوية مع تركيا لتلبية مطالبها في شمال سوريا أو على الأقل جزء منها مقابل إقناعها بالتخلي عن خطط العملية البرية، إلا أنها لن تساهم بأي حال في تأجيل النقاش بخصوص مستقبل الوجود الأميركي.

يرجع ذلك إلى أن الدافع الرئيسي للتحركات العسكرية التركية ضد الوحدات الكردية يتمثل بالتقاء مصالح أنقرة مع كل من موسكو وطهران ودمشق على إخراج القوات الأميركية من سوريا في المستقبل المنظور. رغم أن الولايات المتحدة لا تزال تتمسك ببقاء هذه القوات لمواجهة خطر عودة داعش، إلا أنها تفقد المبررات المقنعة للبقاء لاعتبار رئيسي وهو أن قدرة هذا التنظيم على إعادة بناء نفسه ضعفت إلى حد كبير، كما لم يعد بمقدوره التخطيط لتنفيذ اعتداءات في الخارج انطلاقاً من سوريا.

وإذا كانت واشنطن تسعى إلى توفير القدرات العسكرية اللازمة لمواجهة خطر عودة نشاط داعش، فإنها من الناحية العملية لن تكون بحاجة إلى بقاء عسكري محدود ومحفوف بالمخاطر في آن واحد. ويمكن احتواء تهديد داعش من خلال التفاهم مع الفاعلين في هذه المسألة على انسحاب أميركي من سوريا مقابل التوصل إلى تفاهم يُتيح لواشنطن تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كل من أنقرة وموسكو ودمشق، وتأمين الوصول إلى المجال الجوي السوري لشن ضربات عندما تستدعي الحاجة.

لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تحمل تكلفة البقاء في سوريا فترة أطول في ظل الضغوط التي تواجهها على صعيد علاقتها بتركيا، وعلى صعيد المخاطر المتزايدة على أمن قواتها. وسيكون للفشل الأميركي في احتواء مطالب تركيا الجديدة عواقب كبيرة على المصالح الأميركية بعيدة المدى في سوريا، وسيدفع أنقرة إلى تنسيق تحركاتها بشكل أكبر مع موسكو ودمشق من أجل تحجيم النفوذ الأميركي.

تضارب المصالح الأميركية والتركية في سوريا -بسبب معضلة الوحدات الكردية- لعب دوراً رئيسياً في إعادة تشكيل السياسة التركية في سوريا، وفي ضوء ذلك فإن مزيدا من الاضطرابات في علاقات واشنطن مع أنقرة سيعمق على نحو متزايد الانجراف التركي نحو تعزيز الشراكة مع روسيا وتسريع وتيرة إعادة العلاقات مع دمشق.

ويجب أن ينظر صناع القرار في واشنطن إلى هذه العواقب بجدية أكبر، والتفكير في سبيل لاستيعاب الهواجس الأمنية التركية، بدلاً من إظهار التحدي لطموحات أنقرة المشروعة في تعزيز أمن حدودها. إن مزيدا من التأخير لن يؤدي سوى إلى مزيد من إفساد الوضع.

عن الكاتب

محمود علوش

صحفي لبناني


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس