ترك برس

يعدّ عبد الحميد الثاني السلطان العثماني الـ34، وهو أحد أكثرهم دهاء، إلى جانب كونه أحد أبرز المدافعين عن فلسطين. 

المولد والنشأة

ولد عبد الحميد بن عبد المجيد الأول في 22 سبتمبر/أيلول 1842 (16 شعبان 1258هـ) في قصر "جرغان" الذي يطل على بحر مرمرة في منطقة مضيق البوسفور من الجهة الأوروبية في إسطنبول.

عرف عبد الحميد منذ طفولته بالانطواء، ويعزى ذلك إلى وفاة أمه السلطانة تيرمجكان بمرض السل، وكان يبلغ وقتها 10 سنوات، فحزن حزنا شديدا وقرر الانطواء على نفسه، لدرجة أن والده السلطان عبد المجيد لقبه بـ"الطفل المنطوي".

وبقي هكذا حتى تولت زوجة أبيه الثانية بيرستو قاضن تربيته، وكانت رقيقة محبة للخير وعرفت بوقارها وتدينها وصوتها الهادئ، وقد كانت عاقرا، فعاملته مثل ابنها وتعلقت به وأحبته وأحسنت تربيته وأفاضت عليه من حنانها، حتى إنها أوصت بميراثها له، فتعلّق بها عبد الحميد وتأثر بصنيعها، حتى بانت ملامح شخصيتها فيه.

توفي والد عبد الحميد عام 1861 وقد كان وقتئذ في الـ18 من عمره، فتولى عمه عبد العزيز الأول الحكم بعد والده، ولما توفي عمه خلفه أخوه الأكبر مراد الخامس، لكنه لم يدم طويلا في الحكم، فقد أبعده الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) بعد 3 أشهر بدعوى الجنون، فتولى عبد الحميد حكم الدولة عام 1876.

الدراسة والتكوين

تلقى السلطان عبد الحميد تعليما منتظما على أيدي نخبة من العلماء في قصر السلطنة، وتعلم وقتها العربية والفارسية، ودرس الأدب والتاريخ، ثم تعمق في التصوف، وبدأ في نظم عدد من الأشعار باللغة التركية العثمانية، وتم تدريبه على استخدام السيف وإصابة الهدف بالمسدس، كما درس الموسيقى والعلوم العسكرية والسياسية.

كان عبد الحميد متمرسا على السياسة بسبب التربية التي تلقاها في عهد والده عبد المجيد الأول، ثم عمه عبد العزيز الأول، الذي شاركه في عدد من أسفاره، وزاد من ذلك اهتمامه الكبير بالسياسة العالمية منذ شبابه.

ورغم أنه لم يكن الوريث الأول للحكم، استطاع أن يقف في وجه الصدر الأعظم مدحت باشا (كان متحكما بسير الحكم) انطلاقا من خلفيته السياسية.

السلطان واليهود.. فلسطين الخط الأحمر

كان اليهود مضطهدين في تلك الفترة بأوروبا وروسيا، وكانت أوروبا تبحث عن أي طريقة لإلقاء حملهم عنها، فبدأت فكرة إقامة وطن قومي لليهود، وتبناها قائد الحركة الصهيونية تيودور هرتزل الذي وجه أنظار اليهود نحو فلسطين، وحاول التوسط عند السلطان عن طريق عدد من الأفراد المقربين له مثل إمبراطور ألمانيا لكونه الحليف الأوروبي الوحيد للدولة، لكنه لم يفلح، ولم يجد ثغرة تمكنه من إقناع السلطان.

قرر اليهود إغراء السلطان بالمال مقابل إسكان اليهود في فلسطين، ولم تتوقف عروضهم السخية بالمال والوساطة لدى أوروبا، رغم إصرار السلطان على رفضها، علما أن الدولة العثمانية كانت تعاني من مشاكل مالية واقتصادية متعددة، إحداها أنها كانت مدينة لدول أوروبية فرضت وجود بعثة مالية للإشراف على أوضاع الدولة الاقتصادية ضمانا لديونها، لكن السطان عبد الحميد رد عليهم قائلا "لا أبيع ولو شبرا منها.. فهذا الوطن ليس لي إنما لشعب".

في 28 يونيو/حزيران 1890 كان رد السلطان عبد الحميد على المحاولات اليهودية أن أصدر أمرا "بعدم قبول الصهاينة في الممالك الشاهانية (الأراضي العثمانية)، وإعادتهم إلى الأماكن التي جاؤوا منها".

وبعد أن باءت جميع المحاولات الصهيونية لشراء فلسطين من الدولة العثمانية بالفشل، قرر اليهود دعم جماعات الأرمن ماليا لمحاولة التخلص من السلطان عن طريق التخطيط لعملية اغتيال داخل أراضي الدولة العثمانية وخارجها في سويسرا، لكنها فشلت أيضا.

وبعد تضييق السلطان عليهم قرر هيرتزل إعلان النوايا الصهيونية في مؤتمر بازل الأول بسويسرا عام 1897، لكن السلطان عبد الحميد رد بمزيد من التضييق والمنع.

يقول السلطان عبد الحميد في رسالته إلى محمود أبو الشامات، شيخه الشاذلي قبل وفاته بفترة "إن هؤلاء الاتحاديين أصروا علي أن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة فلسطين، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وقد وعدوا بتقديم 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبا، فرفضت بصورة قطعية أيضا وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا، فضلا عن 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي".

وأضاف في رسالته "لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على 30 سنة، فلم أسوّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أيضا. وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سالونيك فقبلت بهذا التكليف الأخير."

الوفاة

بقي عبد الحميد في قصر بيلار بايي، وزاد وضعه الصحي سوءا بعد إصابته بإنفلونزا شديدة، حتى توفي من مضاعفات المرض في فبراير/شباط 1918 عن عمر يناهز 76 عاما، أي قبل 9 أشهر من انتهاء الحرب العالمية الأولى، وقد دفن في مقبرة السلطان محمود الثاني بمراسم جنازة سلطانية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!