ترك برس

شهدت السياسة الخارجية التركية، مؤخراً، تحولات وصفت بالجذرية، حيث اتجهت إلى التطبيع مع العديد من دول المنطقة التي كانت القطيعة تسود علاقاتها معها طيلة أعوام طويلة، ما دفع المراقبين للتساؤل عما إذا كانت أنقرة تعود إلى سياسة "صفر مشاكل" التي اعتمدتها خلال الأعوام التي تلت وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، عام 2002، واستمرت إلى ما قبل ثورات الربيع العربي.

وفي هذا الإطار، ناقش برنامج "سيناريوهات" على شاشة قناة الجزيرة القطرية، تداعيات كشف أنقرة عن استئناف الاتصالات بين مسؤولين في الاستخبارات التركية والسورية، وكذا الإعلان عن لقاء قصير وسريع جمع وزير الخارجية التركي مع نظيره السوري في بلغراد قبل نحو 10 أشهر.

وجاء ذلك في سياق دعوة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو -في تصريحات له- لأول مرة إلى ضرورة المصالحة بين المعارضة والنظام السوري، إذ بلغ غضب المحتجين ذروته بحرق العلم التركي في خطوة غير مسبوقة.

لاحقاً، أكدت وزارة الخارجية التركية، أن أنقرة ستواصل جهودها الحثيثة من أجل إيجاد حل دائم للنزاع في سوريا بما يتماشى مع تطلعات الشعب السوري.

ونوهت في بيان صادر عنها، أن "تركيا ومنذ بداية النزاع بسوريا هي أكثر دولة بذلت جهودا لإيجاد حل للأزمة في هذا البلد بما يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري".

وأشار إلى تقديم أنقرة الدعم الكامل للمعارضة السورية ولهيئة التفاوض.

وبهذا الصدد، قال أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات إن التصريحات التركية لا تمثل تغيرا سريعا في الرؤية التركية، لكنها يأتي ضمن سياق امتد منذ إسقاط الطائرة الروسية عام 2015 ولجوء تركيا إلى التفاهم مع روسيا، فذهب نحو مسار تغيير موقفها من الحرب في سوريا.

وأضاف أن التحول في الموقف التركي يسير بوتيرة متصاعدة مرتبطة بتغير السياسة التركية الإقليمية بشكل عام، إذ أعادت تفعيل سياسة "صفر مشاكل" وتصالحت مع مصر والإمارات والسعودية وإسرائيل، فلماذا لا تغير موقفها من النظام السوري؟

محاربة الإرهاب

من جهته، قال منسق دراسات بلاد الشام في مركز أورسام لدراسات الشرق الأوسط أويتون أورهان إن تركيا تركز على مواجهة المجموعات المتطرفة وتنظيم "داعش"، مشيرا إلى أن صعود التنظيمات الإرهابية يقلق الجانب التركي، وهذا ما تسبب في تغير السياسة التركية تجاه سوريا.

وأشار إلى أن تركيا تواجه الإرهاب القادم من سوريا، وهي مهتمة بعودة ما يقارب 4 ملايين لاجئ سوري على أراضيها، وهو ما يشكل عبئا كبيرا عليها، وهذا ما دفعها لتغيير سياستها ودخولها في نوع من الحوار مع النظام السوري لحل هذه الأزمة.

أما الكاتب السوري فايز سارة فنظر لمسألة تصالح تركيا مع النظام السوري دون تخليها بشكل كامل عن المعارضة، كونها ناجمة عن تكفل الأتراك بدفع فاتورة سياسة نظام الأسد، إذ إن تركيا تضم أكبر تجمع للاجئين السوريين في العالم.

وأشار إلى أن اللاجئين يشكلون عبئا على السياسة الاقتصادية التركية، وأنه من الصعب المصالحة بين النظام السوري والتركي، ولكن الضغط الروسي وتدهور الأوضاع في مناطق السيطرة التركية في شمالي سوريا قد يجبر أنقرة على محاولة إيجاد مخارج للأزمة السورية، متوقعا أن المصالحة أمر غير سهل وسيمر وقت طويل للتمكن من حل القضايا العالقة بين النظامين.

بدوره عاد وزير الخارجية التركي ليوضح أنّ البعض سعى لإخراج تصريحاته عن سياقها، وأن ما قصده هو أن التفاهم بين المعارضة والنظام شرط من أجل تحقيق الاستقرار والسلام الدائمين في سوريا.

لكن التوضيحات التي قدمها الوزير والتأكيدات بأن أنقرة ستواصل جهودها لإيجاد حل دائم للنزاع بما يتماشى مع تطلعات الشعب السوري، لم تكن كافية -على ما يبدو- لوقف الجدل المتواصل بشأن حقيقة الموقف التركي ومقاربته الجديدة للأزمة السورية، خاصة بعد قمتي طهران وسوتشي، والوساطة التي عرضتها إيران لفتح قنوات تواصل بين أنقرة ودمشق، وإبعاد شبح العملية العسكرية التي تهدد تركيا بتنفيذها على طول الحدود السورية التركية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!