ترك برس

شهد الشارع التركي قبل أسابيع، حديثاً حول حملة أطلقها كمال كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر الأحزاب المعارضة، لطلب الصفح من المحجبات والمتدينين والمحافظين، عما عاشوها في الماضي من إقصاء وتمييز، في خطوة تباينت الآراء حول دوافعها وأهدافها، لا سيما وأن كليجدار أوغلو وحزبه ينحدرون من خلفية علمانية يسارية.

وفي إطار الحملة هذه، عقد كليجدار أوغلو اجتماعات مع النساء المحجبات اللاتي ذهبن ضحية قرارات صادرة عن محاكم تأسّست إبان الانقلاب العسكري عام 1980 بقيادة كنعان إفرن، إذ حُرمن من دخول الجامعات والعمل في المؤسسات الحكومية وبعض المنظمات غير الحكومية.

وباتت خطوة كليجدار أوغلو هذه حديث الساسة والمحللين والشارع التركي، وتناقضت الآراء حولها؛ فهناك من رأى أنها تعبير عن نوايا خالصة وحقيقية ونابعة عن رغبة كليجدار أوغلو في التسامح وإنهاء الاستقطاب الحاصل بين من يتبنون الفكر العلماني والشريحة المتدينة المحافظة التي ترى أن الفكر العلماني كان سبب حرمانها من حقوقها.

دعوة للتصالح الاجتماعي

وفي هذا الإطار، نقل تقرير لـ "الجزيرة نت" عن أحمد نازيف يوجل كبير مستشاري كليجدار أوغلو، قوله إن زعيم حزبه أقدم على خطوة شجاعة لم يسبقه إليها أي زعيم وصل إلى رئاسة الحزب من قبل، وإن كليجدار أوغلو ينوي مواصلة هذه الحملة رغم اعتراضات القاعدة الشعبية المتمسكة بقوة بالفكر العلماني.

ويضيف يوجل أن "كليجدار أوغلو بدأ حملته بعد تيقّنه من أن حزب العدالة والتنمية يستغل عامل الدين لتوسيع قاعدته الشعبية، فزعيم حزبنا يريد أن يسحب هذا البساط من تحت أقدام العدالة والتنمية، ويؤكد للجميع أن حزب الشعب الجمهوري يدرك مأساة الماضي ويطلب الصفح والتسامح من الجميع والنظر إلى مستقبل أفضل للبلاد".

ويشير المستشار إلى أن حملة كليجدار أوغلو لا تقتصر على طلب الصفح من المحجبات اللاتي حُرمن من الجامعات، خاصة أواخر تسعينيات القرن الماضي، إنما تشمل كافة شرائح المجتمع وكل من تضرر من سياسات وقرارات حزبه في السابق.

ويؤكد أن الهدف الأسمى لكليجدار أوغلو من هذه الحملة هو تضميد جراح الماضي، وأنه يرغب في أن يُذكر في المستقبل أنه الزعيم الذي جلب السلام إلى المجتمع، وحقق التصالح بين فكرين متضادين تنازعا على مدى نحو قرن من الزمن.

وحسب يوجل فإن "هذه الحملة دعوة للتصالح الاجتماعي، ولمواجهة أخطاء الماضي والتطلع إلى المستقبل". مضيفا أن كليجدار أوغلو يعمل على إحداث تغير جذري في الحزب ويسعى لتنويع قاعدته الشعبية.

وبهذا الخصوص، يقول مستشار كليجدار أوغلو إن حزبه يواصل التحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة مع أحزاب محافظة ومتدينة مثل "السعادة" وحزب "المستقبل" الذي يتزعمه رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو.

ويؤكد المستشار أن نداء زعيمه يحظى بقبول واسع في كافة أرجاء تركيا، مبينا أن الاجتماعات المتكررة التي يعقدها مع المحجبات في مختلف الولايات تحظى بحضور كبير وباهتمام إعلامي واسع.

"قرار فردي"

في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي كنعان ألباي أن حملة كليجدار أوغلو تنبع من قرار فردي، ولا تعكس رؤية القاعدة الشعبية التي تُنكر تسبّب الحزب في أية مأساة في الماضي، وتتمسك بالفكر العلماني الذي يرى أن مسألة الحجاب لا تتوافق مع معطيات ومتطلبات العصر الحديث.

ويقول ألباي إن دليل عدم تشاور كليجدار أوغلو مع أركان حزبه حول مسألة طلب الصفح والتسامح مع المحجبات هو أن نائبه بولنت تزجان علِم بالحملة من خلال مقطع فيديو نشره كليجدار أوغلو عبر حسابه الخاص في مواقع التواصل الاجتماعي.

ويتابع المحلل "أصوات حزب الشعب الجمهوري على مدى العقود الماضية لم تتجاوز 27%، ويبدو لي أن كليجدار أوغلو أدرك أن الأتراك لن يمنحوه الأغلبية ما دام متمسكا بالفكر العلماني".

ومن ثم يقول ألباي "أدرك كليجدار أوغلو وجوب تغيير صورة حزبه المترسخة في أذهان الأغلبية بوصفه حزبا يدعو لإعادة رفع الأذان باللغة التركية، ويؤيد حظر الحجاب في المؤسسات الحكومية والجامعات؛ ولذلك هذه الحملة لم تحظَ بقبول بعض المقربين منه".

وذكر ألباي أن صحيفة "جمهورييت" المقربة من حزب الشعب الجمهوري تعارض أيضا هذه الحملة وتقول إن حزب الشعب الجمهوري لم يفعل شيئا ليطلب الصفح والتسامح.

وفي السياق، يقول المحلل إن "طلب الصفح والتسامح لا يكون بالكلام فقط؛ فالشريحة المحافظة والمتدينة في تركيا تنتظر من الحزب خطوات ملموسة".

وحسب ألباي فإنه "لكي يثبت كليجدار أوغلو وفريقه صدق نواياه عليه أن يعترف بأن الغرف التي تأسست في مداخل الجامعات أواخر التسعينيات لإقناع الفتيات بنزع الحجاب كانت خطوة خاطئة واعتداءً سافرا على حقوقهن، أو أن يقر الحزب بخطئه عندما لجأ إلى المحكمة الدستورية العليا لإلغاء قرار برلماني بخصوص السماح بارتداء الحجاب في المؤسسات الحكومية عام 2007".

حظر الحجاب

وبدأ حظر الحجاب في المؤسسات الحكومية والمدارس والجامعات التركية مع "قانون اللباس العام" الذي صدر بعد انقلاب 12 سبتمبر/أيلول 1980، وظل ساري المفعول نحو 31 عاما، في خطوة دافعت أحزاب يسارية -في مقدمتها حزبا الشعب الجمهوري والاشتراكي الديمقراطي- عنها بذريعة الحفاظ على النظام العلماني، في حين عارضت القرار أحزاب محافظة وإسلامية وقومية مثل أحزاب "الوطن الأم" و"الرفاه" و"العدالة والتنمية" و"الحركة القومية"، باسم حرية المعتقد.

وفي السادس والتاسع من فبراير/شباط 2008، تم قبول التعديل الدستوري الخاص بمنح الطالبات حرية ارتداء الحجاب في الجامعات بأغلبية 411 صوتا مقابل 103 في التصويت البرلماني الذي شارك فيه 518 نائبا.

ويوم 27 فبراير/شباط 2008، قدّم 112 نائبا من حزبي الشعب الجمهوري واليسار الديمقراطي طلبا رسميا إلى المحكمة الدستورية العليا لإلغاء التعديل الدستوري الذي ينص على حرية ارتداء الحجاب في الأماكن العامة من دون الحصول على النتيجة المرجوة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!