توران قشلاقجي - القدس العربي

قبل الإجابة على السؤال المطروح في العنوان، أود أن أتطرق إلى بعض القضايا المتعلقة بعلم التاريخ. ينبغي أن نعلم أنه لا مكان للادّعاء في علم التاريخ، وإنما الوثائق هي التي تتحدث في هذا المجال. فالتاريخ ليس مجالا للاعتقاد، بل هو مجال معلومات ووثائق. وتاريخ شيء ما لا يجسد ذلك الشيء بنفسه، ونظرا لأن العديد من البلدان تقوم بتدريس تاريخ الفلسفة لا الفلسفة نفسها، فإن الفلاسفة الحقيقيين لا ينشأون فيها، لأن الجميع يتحدثون هناك عن تاريخ الفلسفة ولا يمارسون الفلسفة، ولهذا السبب كل يغني على ليلاه.

وبما أن التاريخ يُكتب على يد موظفي الدولة، فإنه بطبيعة الحال يتغير وفقا لكشوف الرواتب. ومن المعلوم أن المؤرخين كانوا يكسبون خبزهم من كبار رجال الدولة، مثل السلاطين والملوك والأمراء، وبالتالي كتبوا التاريخ بالشكل الذي أراده هؤلاء، وينطبق هذا أيضا على المؤرخين الأيديولوجيين والطائفيين، فهؤلاء أيضا يخفون الحقيقة أو يحرفونها أحيانا.

وينبغي ألا يستخدم التاريخ في تأكيد النماذج الفكرية، بل يجب أن يعبر عن الحقائق الواقعية، يقول هيغل «الحقيقة لا تتغير ولا تتحول وفقا لفهمك أو عدم فهمك لها»، وبالتالي يجب ألا نغفل الحقائق عند قراءة الأحداث التي جرت بين الصحابة أيضا، الخلافات بين الصحابة ليس لها أساس ديني، وإنما هي سياسية بحتة ظهرت في ما بعد، ينبغي أيضا أن لا ننسى أن معظم الصحابة كانوا أقرباء، سواء من قريب أو بعيد، وتأسست علاقات زواج بين أفراد أسرهم، في الوقت نفسه، علما أن معظم القبائل العربية الصغيرة في مكة كانت تتمتع بروابط قربى وثيقة جدا في ما بينها، لذا من الضروري أن نقرأ النزاعات والمصالحات في ما بينها انطلاقا من هذا المنظور.

أنشأ المؤرخون المسلمون منهجية في علم التاريخ مكنتهم من تجاوز نطاق التاريخ الرسمي، العديد من المؤرخين المسلمين مثل الذهبي وابن الجوزي والدينوري وابن الأثير وابن كثير وابن خلكان والطبري وابن خلدون، نجحوا في طرح علم التاريخ عبر منهجيات خاصة أنشأوها بأنفسهم. وهكذا يمكننا القول إن المؤرخين المسلمين هم أول من تناول تاريخ الشعوب بمعزل عن الخطاب الرسمي، ونجحوا أيضا في طرح منهجية ناجحة جدا من أجل التاريخ.

الآن، وبعد استعراض هذا المنظور التاريخي الوجيز، دعونا ننتقل إلى السؤال الذي طرحناه في عنوان مقالتنا: «هل شارك سيدنا الحسين بن عليّ في فتح إسطنبول؟». تتحدث السجلات التاريخية كلها بصورة قطعية عن إرسال معاوية بن أبي سفيان، جيشين إلى إسطنبول (القسطنطينية) في العهد الأموي، من أجل فتحها، قبل 668 عاما، حيث قاد أولهما سفيان بن عوف، وكان الثاني بقيادة يزيد بن معاوية.

أصبح المسلمون يتسابقون، في ذلك الوقت، للمشاركة في فتح إسطنبول، وكان السبب وراء ذلك هو حديث الرسول محمد الرسول صلى الله عليه وسلم: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم». (البخاري، الجهاد، 93). وشارك نحو 60 صحابيا في الجيش الذي انطلق لفتح إسطنبول لكي يشملهم حديث الرسول.. وكان من بينهم أبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير.

يؤكد العديد من المؤرخين السنة وبعض المؤرخين الشيعة، أن سيدنا الحسين بن علي (رضي الله عنه) شارك في حملة لفتح إسطنبول، ومن بين كتب التاريخ التي تحدثت عن ذلك: «تاريخ دمشق» لابن عساكر و»تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام» لشمس الدين الذهبي و»تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال» لشمس الدين الذهبي، و»بغية الطلب في تاريخ حلب» لكمال الدين ابن العديم و»الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي و»البداية والنهاية» لابن كثير، و»مرآة الزمان في تواريخ الأعيان» لسبط ابن الجوزي. ويمكن العثور على معلومات مفصلة عن الموضوع في العديد من الكتب التاريخية الأخرى.

وتفيد مصادر شيعية أيضا أن الحسين بن علي شارك في حملة استهدفت فتح إسطنبول، ويتحدث العالم الشيعي السيد نور الله الحسيني المرعشي في الصفحة الأولى من المجلد الـ27 لكتابه «شرح إحقاق الحق»، ومن بين مصححي هذا الكتاب في يومنا الحالي إبراهيم الميانجي، كما يوثق العالم الشيعي العراقي المعروف أحمد الوائلي الذي توفي عام 2003، مشاركة الحسين في غزوة فتح إسطنبول، عبر خطبه وكتبه، لكن الوائلي يشير إلى أن الحسين شارك في حملة للفتح ضمن جيش سفيان بن عوف، وليس في الجيش الذي قاده يزيد.

خلاصة القول؛ حينما ننظر إلى الوثائق التاريخية، يظهر لنا جليا بأن الحسين قد شارك بالفعل في واحدة من الحملات التي سعت إلى فتح إسطنبول، ويؤكد العديد من المصادر الشيعية هذا الأمر أيضا، وهذا ما أكده لي كثير من علماء الشيعة الذين تحدثت معهم في لبنان. ويظهر ذلك أيضا في كتاب «شرح إحقاق الحق» الذي يتضمن أهم الروايات التاريخية بالنسبة إلى الشيعة.

كان التاريخ شاهدا على أن سيدنا الحسين صاحب الزهد والتقوى، كان من الشخصيات المثالية التي أحبت مساعدة الناس والإحسان إليهم، وسعت جاهدة لضمان السلام والطمأنينة بين المسلمين، وأنه شارك في العديد من حملات الجهاد مع سيدنا علي (رضي الله عنه)، فضلا عن مشاركته في غزوة لفتح إسطنبول.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس