ترك برس

يقول "حاييم وايزمان"، أول رئيس لدولة الاحتلال الإسرائيلي: "العالم الإسلامي يعامل اليهود بقدر كبير من التسامح، فقد فتحت الإمبراطورية العثمانية أبوابها لليهود عندما طردوا من إسبانيا، ويجب على اليهود ألا ينسوا ذلك".

ويقول المستشرق برنارد لويس في كتابه "إستانبول وحضارة الخلافة الإسلامية": "ازداد عدد اليهود في إستانبول منذ نهاية القرن الـ15 بصورة خاصة، إذ جاء الكثيرون منهم من إسبانيا والبرتغال والبلاد الأوروبية الأخرى، باحثين عن مكان للّجوء إزاء اضطهاد المسيحيين لهم، إلى حكم السلاطين العثمانيين المتسامح".

وتابع "تمتع اليهود والمسيحيون على السواء بحرّية العبادة في إستانبول، في ظل واقع التاريخ الإسلامي والعثماني بهذا الخصوص، ومُنحوا قدرًا كبيرًا من الحرية القومية". وفق تقرير نشرته وكالة الأناضول. 

تلك شهادة من مشاهير السياسة والتاريخ، تؤكد حقيقة تسامح العثمانيين مع غير المسلمين ومن بينهم اليهود، في الوقت الذي كانت تغلق في وجوههم أبواب أوروبا.

تعود الحكاية إلى بلاد الأندلس التي ظلت تحت الحكم الإسلامي حوالي 8 قرون، إلى أن سقطت في قبضة المسيحي المتعصب فرديناند بعد تحالفه مع ابنة عمّه إيزابيلا التي لا تقل عنه تعصبًا.

وإذا كان التعصب المذهبي في ذلك الوقت قد بلغ أوجه بين المذاهب المسيحية، فمن باب أولى أن يلقى اليهود والمسلمون اضطهادًا كبيرًا، إذ كان ملوك إسبانيا لا يرون لهؤلاء ولا لهؤلاء حقًا في الحياة، وأقاموا محاكم التفتيش التي كان المسلمون واليهود يعذبون فيها بأبشع طرق التعذيب، إلا أن المسلمين كان لهم الحظ الأوفر من هذا الاضطهاد.

بعد سقوط غرناطة آخر معاقل الأندلس، قامت البحرية العثمانية تحت قيادة "كمال رئيس" بإنقاذ آلاف المضطهدين في الأندلس، من المسلمين واليهود على السواء، ونقلهم إلى أماكن آمنة خاصة في الدولة العثمانية، وأصدر فرديناند مرسومًا في مارس/آذار 1492م، بنفي اليهود خارج المملكة نهائيًا خوفًا على الكاثوليك، وحدّد لهم مهلة 3 أشهر للجلاء، على ألا يأخذوا معهم الذهب والفضة.

وفي رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة "أمّ القرى" السعودية بعنوان "دور اليهود في إسقاط الدولة العثمانية"، ذكرت الباحثة هيلة بنت سعد السليمي أنه بمقتضى هذا الطرد أصبح نصف مليون يهودي مشرّدين بلا مأوى على سواحل البحر الأبيض المتوسط، عرضة لفتك الجوع والمرض.

بل ذكر لوثروب ستودارد في كتابه "حاضر العالم الإسلامي" أن عددهم كان 800 ألف يهودي.

في هذا الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتخوّف من إيواء اليهود بدافع التعصّب الديني، ونظرًا لما عُرف عنهم من حياكة المؤامرات وإثارة القلاقل والفحش الربويّ الذي يقوّض الاقتصاد، لم تفتح لهم سوى أبواب الدولة العثمانية التي استجابت لطلب الحاخامات بإيواء اليهود.

تم ذلك في عهد السلطان بايزيد الثاني، الذي أصدر أوامره إلى حكام أقاليم الدولة العثمانية بعدم رفض اليهود أو وضع عقبات أمامهم، فتدفقوا على أراضي الدولة العثمانية، واستقرّوا في العديد من المدن الرئيسية مثل إسطنبول، وأدرنة، وإزمير، وسلانيك.

أطلقت الدولة العثمانية الحريات الدينية لليهود، خاصة أنهم قد شملهم "نظام المِلل"، وهو نظام وضع في عهد السلطان محمد الفاتح، وفيه يتمّ حصر كل أصحاب ملة، ويكون لهم رئيس ديني ينظر في مسائلهم، ويقوم بالحكم في قضايا الأحوال الشخصية الخاصة بهم وفق مِلّتهم دون تدخل من الدولة العثمانية.

إضافة إلى ذلك، انخرط اليهود بمقتضى هذه السماحة، في المجتمع العثماني في كافة جوانب الحياة، الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وتقلّدوا أعلى المناصب والمراتب، وكان منهم الأطباء والتجار والأدباء...

ويقول الدكتور أحمد أق كوندز في كتابه "الدولة العثمانية المجهولة": "إن دفتر طابو التحرير لمدينة أدرنة، والذي حرّر من قبل السلطان سليم الأول، عام 1519م، يبيّن هذا بكل وضوح، فقد سجل في الصفحة رقم 40 من هذا الدفتر تحت عنوان "جماعة إسبانيا"، أسماء رؤساء العوائل اليهودية التي طردت من إسبانيا وتم إسكانها في أدرنة، وفي هذه الوثيقة نجد أن عدد هذه العوائل يزيد عن أربعين عائلة في هذه المنطقة".

على الرغم من ذلك، لم يحفظ اليهود صنيع الدولة العثمانية، وعملوا طيلة وجودهم على بث الاضطرابات والقلاقل الدينية والسياسية وإثارة الفتن.

وهنا لسائلٍ أن يسأل: هذه السماحة التي أبداها العثمانيون تجاه اليهود، ألا تتعارض مع ما اتخذته الدولة في عهد السلطان عبد الحميد من موقف متشدد تجاه منحهم حق تكوين وطن قومي في فلسطين؟

نقول، إنه من المعلوم أن السلطان عبد الحميد كافح وناضل من أجل عدم الاستجابة للمطالب الصهيونية بإقامة وطن قومي في فلسطين، لكنه لم يكن من قبيل معاداة اليهود، فهو قد سمح لهم بالعيش في رحاب الدولة كمواطنين ورعايا كغيرهم يتمتعون بالحريات والحقوق كاملةً، إلا فلسطين، لأنهم يطالبون بإقامة دولة مستقلة لهم تقوم على أساس ديني.

إذن، الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد، كانت تفرّق بين اليهودية كـ مِلّة، وبين الصهيونية كحركة سياسية تستغل الدين في تحقيق أطماعها، وتجيّش يهود العالم للهجرة إلى ما أسموه أرض الميعاد.

والثابت تاريخيًا أن مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل لم يقترح في بادئ الأمر فلسطين كدولة لهم، بل كانت هناك دول أخرى مرشحة كالأرجنتين وأوغندا وسيناء المصرية، لكن استقر الرأي على فلسطين لوجود ماضٍ تاريخي لليهود فيها، استغلالًا للبُعد الديني في إثارة حماستهم للهجرة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!