توران قشلاقجي - القدس العربي

يشهد العصر الذي نعيش فيه أكبر تحول سياسي واقتصادي واجتماعي في تاريخ البشرية. ويبدو واضحا أننا في نهاية هذا التحول سوف نستيقظ على نظام سياسي جديد، ونموذج اقتصادي جديد، وبنية اجتماعية جديدة. أينما ذهبتم حول العالم، ستجدون الناس غارقين في التفكير حول النتائج المحتملة لهذا التغير. أمّا المجتمعات الشرقية، فإنها تبدو أكثر تشاؤما بشأن مستقبل أكثر إرهاقا، جراء الكساد السياسي والاقتصادي الذي تعاني منه.

هناك مسؤوليات كبيرة جدا تقع على عاتق القادة والمثقفين في العصور التي تشهد مثل هذه التحولات التاريخية الكبرى. لذا، فإن عليهم أن يتحلوا بفطنة كبيرة في ما يخص قراءة المستقبل ومساعدة المجتمعات على إيجاد مخرج لها، وبث الأمل في نفوسها. من جهة أخرى، تسعى الدول الغربية التي تقف على شفا الانهيار إلى استجماع قواها مجددا من خلال ممارسة القمع السياسي والاقتصادي على مستعمراتها السابقة في افريقيا وآسيا، عبر حملة أخيرة، لكن قادة هاتين القارتين يدركون أن المستعمرين لا يتمتعون بقوتهم السابقة، وأصبحوا يتعاملون بفطنة لحماية شعوبهم من الإرث الثقافي للاستعمار أو ممارسات ما بعد الاستعمارية.

لقد صدر مؤخرا كتابان مهمان أرى أنهما يستعرضان ظروف العالم الحالية بطريقة جيدة للغاية. الكتاب الأول من تأليف المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر، واسمه «الفرصة الأخيرة: لماذا نحتاج إلى نظام عالمي جديد؟». يقول شرودر في مقدمة كتابه: «أمامنا مشهد لا يثلج الصدر أبدا، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن عدد الأزمات حول العالم مرتفعا كما هو الآن، يبدو العالم وكأنه في حالة غيبوبة.. إننا نشهد انتشار الأزمات والحروب ومختلف أنواع الصراعات مثل الأوبئة بهيئة متجمدة جدا ومزاج غير مبال. والغرب الذي لم يعد موجودا كما كنا نعرفه من قبل، بات عالقا داخل كيانات متهالكة».

يناقش شرودر في كتابه مصير الاتحاد الأوروبي، وما إذا كان التعاون بين أوروبا وحلف الناتو سيستمر، فضلا عن مكانة روسيا والصين في النظام العالمي الجديد، وطبيعة المستقبل الذي ينتظر الشرق الأوسط، والآثار المتوقعة للأزمات العالمية، مثل تغير المناخ، والأمراض الوبائية، وندرة الموارد، على العالم. ويقول شرودر إن «النظام العالمي القديم الخاضع للهيمنة الغربية قد انهار»، ويضيف: «أمّا القوى الجديدة، فإنها تسعى للعثور على مكان في هذا النظام الجديد الذي يتم إنشاؤه».

أمّا الكتاب الثاني المهم الذي يطرح وجهة نظر مختلفة للمشاكل القائمة في يومنا الحالي، فهو من تأليف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، أحد أبرز الدبلوماسيين في العالم، واسمه «القيادة: ست دراسات في الاستراتيجية العالمية». يؤكد كيسنجر أن القيادة عنصر مهم في حل المشاكل التي تواجه العالم الجديد، ويتناول في كتابه استراتيجيات ستة من أهم الرموز السياسية في القرن العشرين، ويستعرض التفاعل القائم بين القيادة والدبلوماسية. يرى كيسنجر أن القادة نوعان؛ «القادة الملهمون ورجال الدولة. الأول يخلق نظاما اجتماعيا جديدا، والثاني هو القائد الذي يقود الظروف القائمة إلى أفضل مستوى». ويشير إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لكثرة الأزمات حول العالم في يومنا هذا، هو ندرة القادة أصحاب الرؤى المستقبلية القادرين على حل المشاكل. كما يتساءل عما إذا كانت هناك إمكانية لعودة ظهور قادة يتمتعون بالشخصية والذكاء والاستراتيجية والرؤية المستقبلية والجدارة، بما يجعلهم قادرين على مواجهة التحديات التي يواجهها النظام العالمي.

خلاصة الكلام؛ من الواضح جدا أن العالم الذي يواجه أزمات كبرى في الوقت الراهن، يقف عند مفترق طرق. ورغم وجود مئات الدول على وجه الأرض، فإن عدد الأشخاص الذين يمكن إطلاق وصف القائد عليهم، يكاد يساوي عدد أصابع اليد. يقدم المستشار الألماني الأسبق شرودر، مقترحات حل في كتابه من أجل المشاكل التي تعاني منها ألمانيا، فيما يرسم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كيسنجر، خريطة طريق من أجل الولايات المتحدة. حسنا! هل سنرى قادة يناضلون ويطرحون رؤى جديدة لصالح مستقبل المجتمعات الشرقية أعتقد أن هناك مسؤوليات كبيرة جدا تقع على عاتق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خضم مرحلة بقيت خلالها المجتمعات الشرقية بلا قادة.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس