زاهد صوفي ـ خاص ترك برس

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب حضوره قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي جرت في أوزبكستان يومي 15 و16 سبتمبر/ أيلول الجاري، أن بلاده تهدف لتعزيز علاقاتها مع الدول الأعضاء في المنظمة وتتويج هذه العلاقات في نهاية المطاف بعضوية أنقرة في المنظمة.

الرئيس أردوغان أكد أن تركيا تخطط لتطوير علاقاتها مع منظمة شنغهاي، وأشار إلى أن القمة المقبلة التي ستستضيفها الهند، قد تكون مسرحا لتطورات جديدة فيما يخص عضوية تركيا بالمنظمة.

وبناء على تصريحات الرئيس أردوغان، يتبادر إلى الأذهان السؤال التالي، هل تتجه تركيا رويدا رويدا نحو القطب الشرقي وتتخلى عن تحالفاتها مع الغرب وخاصة حلف شمال الأطلسي، أم إنها ترى في منظمة شنغهاي ما يلبي مصالحها الاقتصادية وتهدد الغرب الذي خذلها في كثير من القضايا.

للإجابة على هذا السؤال يجب النظر أولا إلى وضع تركيا داخل في حلف شمال الأطلسي (ناتو) منذ عضوية أنقرة في هذا التكتل عام 1952.

تركيا كانت وما زالت واحدة من أكثر أعضاء الناتو ولاءً للحلف، على الرغم من أنها لم تشهد أي فائدة من هذا الحلف حتى هذه اللحظة، فهي تسخّر كل إمكانياتها وقدراتها لصالح الناتو دون مقابل يُذكر.

أنقرة تتبع حاليا سياسة متعددة الأبعاد، لا سيما في سياق العلاقات الدولية. ومن الطبيعي أن تفكر أنقرة في تعزيز علاقاتها مع جميع الدول بعد أن امتنع الناتو من تفعيل المادة الخامسة التي تدعو لاستنفار جميع الأعضاء في حال تعرض أي عضو للخطر.

هذا ما رأيناه حين تعرضت الأراضي التركية لهجمات من قبل إرهابيي "واي بي جي/ بي كي كي" من الجانب السوري، علاوة على أن بعض الدول الأعضاء في الناتو وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية قدمت دعما عسكريا لهذا التنظيم وبشكل علني.

أنقرة التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة الامريكية، لا تزال حتى الآن بحاجة إلى مساعٍ دبلوماسية كبيرة لإقناع واشنطن التي من المفترض أنها حليفة وثيقة لأنقرة في الناتو، لتحديث مقاتلاتها من طراز "إفـ16"، ناهيك عن امتناع الولايات المتحدة من تزويد أنقرة بمقاتلات "إف35" التي تشارك تركيا في تصنيعها.

عندما أسقطت تركيا مقاتلة تابعة لسلاح الجو الروسي في عام 2015، لم يكتف الناتو بالبقاء متفرجا على مجريات الأحداث بين أنقرة وموسكو، بل قام بسحب منظومات الباتريوت من الأراضي التركي في وقت كانت فيها تركيا بأمس الحاجة لمثل هذه المنظومات.

- أوجه الاختلاف بين المنظمتين 

على الرغم من أن كلتا المنظمتين (شنغهاي والناتو) تتشابهان جزئيا، إلا أن هناك اختلافات كبيرة بينهما من حيث النطاق والأهداف.

فالناتو حلف أيديولوجي في أهدافه لأنه منظمة دفاعية شكلتها دول تدافع عن النظام العالمي الليبرالي أثناء الحرب الباردة وبعدها. وهذا الحلف يضمن التضامن المتبادل والدفاع من حيث المسؤوليات.

أما منظمة شنغهاي للتعاون فهي تحالف غير أيديولوجي في أهدافه بل هي منظمة تعاونية تسعى لإتمام مصالح أعضائها. وهي أكثر شمولاً من الناتو حيث تهدف إلى تعاون أعضائها في جوانب عدة الأمن والاقتصاد والطاقة والسياسة. 

منظمة شنغهاي للتعاون تهدف إلى الحفاظ على السلام وتعزيز الأمن وزيادة التعاون وحسن الجوار، ولا يوجد تأكيد على الأمن الجماعي في إعلان تأسيسها مثل الناتو ولا تستهدف أي دولة أو منظمة دولية.

وبالنظر إلى أهداف منظمة شنغهاي فإنها تشبه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وليس الناتو.

ونتيجة المقارنة بين المنظمتين، يمكننا القول إن منظمة شنغهاي للتعاون وحلف الناتو ليسا بديلين عن بعضهما البعض. فليس من الممكن لمنظمة شنغهاي للتعاون أن تمنح تركيا مظلة أمنية شبيهة بحلف شمال الأطلسي، وكذلك لا يستطيع الناتو توفير فرص اقتصادية لتركيا كمنظمة شنغهاي. ولهذا من الممكن لتركيا أن تقيم علاقات وثيقة مع منظمة شنغهاي للتعاون دون الإخلال بالتزاماتها تجاه الناتو.

ولعل روسيا ستكون من أكثر الدول استفادةً من عضوية تركيا في منظمة شنغهاي للتعاون، وذلك بسبب المنافسة الشديدة بينها وبين الصين. فالروس يدركون أن تركيا لها تأثير على دول آسيا الوسطى. ويسعون من خلال عضوية أنقرة إلى تحقيق التوازن وكسر هيمنة بكين على هذه الدول والمنظمة بحد ذاتها.

الأهم من كل ما ذُكر آنفا، هل تستطيع تركيا التي تدعو إلى الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان، أن تتأقلم مع أعضاء هذه المنظمة رغم المنافع الاقتصادية الكبيرة التي قد تجنيها من وراء انتسابها بشكل تام للمنظمة.

مما لا شك فيه أن منظمة شنغهاي للتعاون وعلى الرغم من أهميتها الاقتصادية، إلا أنها ليست مركز جذب من ناحية القيم الإنسانية. بل على العكس تماما، فمعظم أعضاء هذه المنظمة عبارة عن بلدان تُحكم بأنظمة قريبة إلى الاستبدادية. فالهند مثلا دولة ديمقراطية في الظاهر، إلا أنها تزداد سلطوية في ظل حكمها الحالي، وممارساتها التمييزية ضد المسلمين واضحة للعيان. 

وكذلك الصين، إذ لم تعد التقارير الرسمية للأمم المتحدة تستطيع إحصاء الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان ضد المسلمين في اقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية).

ومع ذلك، فهناك من يقول بأن انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي سيكون له انعكاسات إيجابية على المضطهدين في الدول الأعضاء بالمنظمة مثل الصين والهند، وستكون لأنقرة مصالح مشتركة وفرصة أكبر للتحدث مع قيادات تلك الدول لإقناعهم على ضرورة منح المضطهدين حقوقهم المشروعة.

ولعل تركيا تريد من خلال إثارة ملف عضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون، زيادة قدرتها التفاوضية رداً على الاتحاد الأوروبي الذي أوقف مفاوضات انضمام تركيا إلى التكتل، وتوجيه رسالة إلى الولايات المتحدة الامريكية مفادها أن أنقرة لديها خيارات وبدائل تغنيها عن القطب الغربي سياسيا واقتصاديا.
 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!