ترك برس

أدلى المسؤولون الأتراك وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب أردوغان، تصريحات عديدة حول اعتزام بلادهم تنفيذ عملية عسكرية في الشمال السوري ضد التنظيمات الإرهابية التي تشكل تهديداً لأمن أنقرة القومي، مؤكدين أن انطلاقها مسألة وقت ليس إلا، وهو ما لم يتم بعد رغم مرور شهور على ذلك، الأمر الذي طرح تساؤلات عما إذا كانت العملية قد أُلغيت أم أن يد أنقرة لا زالت على الزناد وبانتظار الوقت المناسب؟

وكانت أنقرة قد أكدت أكثر من مرة إتمام الاستعدادات العسكرية واللوجستية للعملية، مما يعني أن عدم إطلاقها حتى اللحظة مرتبط أكثر بمواقف الأطراف الأخرى المنخرطة في سوريا وسعي تركيا لإقناعهم بها، وهو ما أسميه "شبكة الأمان السياسية" للعملية".

الكاتب سعيد الحاج، وفي مقال له على "الجزيرة نت"، قال يبدو أن قمتَيْ طهران الثلاثية وسوتشي الثنائية لم تفلحا في إقناع إيران وروسيا -وهي الأهم- بالعملية. بل إن التصريحات التركية المتتالية عن العلاقة مع النظام السوري، والتي فهم منها أن أنقرة على وشك الدخول في حالة حوار معه، أتت بعد عودة أردوغان من سوتشي مباشرة،

وأضاف: "بل إن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قال صراحة إن بلاده ستقدم الدعم السياسي للنظام في حال عمل على إبعاد مسلحي قوات سوريا الديمقراطية عن الحدود. فهل ألغت أنقرة عمليتها العسكرية واستعاضت عنها بالتعاون مع النظام؟"

وفيما يلي تتمة المقال:

يمكن القول إن العملية التركية قد أجلت كثيرا وإنها تواجه صعوبات تتعلق بإقناع مختلف الأطراف المعنية، روسيا وإيران والولايات المتحدة على أقل تقدير، بها، لكن من الصعب توقع إلغائها تماما.

صحيح أن تركيا لم تفلح حتى اللحظة، فيما يبدو، في إقناع روسيا وإيران بضرورة العملية وأحقيتها، لكنهما أيضا لم تفلحا في إقناعها بإلغائها، ومؤشر ذلك في حديث أردوغان عن العملية وضرورتها وأهدافها في قمة طهران وبعد انتهائها وقبل أيام كذلك.

ذلك أن العملية التي تتحدث عنها أنقرة ليست حدثا منفردا أو محطة مستقلة، وإنما حلقة في إستراتيجية متكاملة -سبق تفصيلها- من الصعب تخيُّل تخليها عنها، وإلا تعرضت الإستراتيجية بكاملها للفشل أو التعثر على أقل تقدير.

فتركيا لا ترى في وجود المجموعات الانفصالية في الشمال السوري خطرا على وحدة الأراضي السورية وتهديدا أمنيا لأراضيها هي من الخارج وحسب، وإنما أيضا تهديدا لوحدة الأراضي التركية نفسها على المدى البعيد لارتباط الملف الكردي في مختلف دول المنطقة، وبالتالي فهو خط أحمر حقيقي بالنسبة لها.

كما أن تركيا لا تثق بأي طرف آخر في ملف بالغ الأهمية والحساسية كهذا، خصوصا بعد تجربة السنوات الأخيرة في سوريا، وتفضل دائما أن "تقطع حبل خلاصها بنفسها" وفق تعبير الرئيس التركي. النظام السوري تحديدا لا يحظى بثقة تركيا في هذا السياق بسبب تبادله الأدوار والمواقع في أكثر من مرة سابقة مع قوات سوريا الديمقراطية، لتجنيب الأخيرة الاستهداف من قبل القوات التركية وبما أضاف تعقيدات ميدانية للعمليات التركية السابقة. هذا فضلا عن الصدام المباشر بين القوات التركية وقوات النظام أكثر من مرة، وقد كان أوضحها في عملية "درع الربيع" قبل عامين.

ومن الجدير ذكره أن التوصيف الأقرب للدقة للموقف التركي المستجد من النظام السوري هو الانفتاح على فكرة الحوار معه، وليس انقلابا كاملا في الموقف منه، إذ لا قرائن حتى اللحظة على تبدل إستراتيجية أنقرة أو أولوياتها بالكامل، وبالتالي فهي أقرب لمرحلة اختبار بطيئة ومتدرجة وغير مضمونة النتائج.

وبالتالي، يمكن القول إن تركيا منفتحة على فكرة تأجيل العملية ومحاولة تحقيق أهدافها، لا سيما إبعاد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية عن حدودها، عبر العلاقات مع روسيا وحلول قوات النظام هناك. لكن ذلك لا يعني التخلي بالكامل عن فكرة العملية أو إلغائها تماما، وإنما محاولة استفراغ الجهد في مسار بديل محتمل، لا سيما أنه يخدم أكثر من هدف، بما في ذلك عودة المقيمين السوريين في تركيا والعلاقات مع كل من روسيا وإيران والضغط على الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين.

وإلا فإن المعطيات الميدانية تقول إن أنقرة ما زالت ملتزمة برؤيتها وإستراتيجيتها في سوريا، وإن يدها ما زالت على الزناد كما يقال. وليس أدل على ذلك من استمرار استهدافها لمراكز وشخصيات محسوبة على قوات سوريا الديمقراطية والعمال الكردستاني، بل إنها استهدفت أكثر من مرة قوات للنظام السوري رغم الحديث عن الحوار وإمكانية التعاون.

ولذلك، فإن ما حصل حتى اللحظة هو تعليق العملية إفساحا للمجال لخيارات أخرى "يمكن" أن تحقق أهداف العملية دون جهد عسكري مباشر، وبالتالي فإن فشل هذا المسار سيعيد أنقرة للمربع الأول وربما بحجة أقوى في مواجهة روسيا تحديدا، من وجهة النظر التركية. ولعل تصريحات الرئيس أردوغان قبل أيام فقط، في ذكرى معركة ملاذكرد، قرينة إضافية على أن بلاده لم تلغ تماما فكرة العملية وأنها ما زالت خيارا قائما متى اكتملت شروط إطلاقها ونجاحها.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!