محمود عثمان - تلفزيون سوريا 

بينما تحاول روسيا كسب تركيا إلى صفها خصوصا بعد الحرب الأوكرانية، تقوم إدارة الرئيس بايدن بتحريض اليونان ودفعها لاستفزاز تركيا، للضغط عليها في ملفات عديدة، في مقدمتها الملف السوري، من خلال ثني تركيا عن إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري، ضد منظومة "قسد" التي تدعمها واشنطن، وقبول عضوية فنلندا والسويد في حلف الناتو، وممارسة أقصى الضغوط على الرئيس أردوغان من أجل إضعافه قبيل الانتخابات التركية المزمع عقدها في منتصف العام القادم، حيث كان إسقاط الرئيس أردوغان أحد الوعود الانتخابية للرئيس بايدن.

من جهتها تحاول اليونان استخدام الظروف الدولية الحالية لتعزيز موقعها الاستراتيجي ضد تركيا، حيث تتجاهل أثينا خلال حديثها عن الأمن الإقليمي وحلف شمال الأطلسي، حقيقة أن تركيا عضو رئيس في الحلف، فتعمل على تعزيز تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة بغية تحييد التفوق العسكري الواضح لتركيا. من أجل ذلك منحت الأميركان حق بناء قواعد عسكرية جديدة، مع تطوير قواعدهم المنتشرة في جميع أرجاء اليونان، مما فتح لها المجال أمام تعاون شامل مع أميركا.

وبشكل مماثل، تحولت فرنسا إلى واحدة من الدول الرائدة في التعاون العسكري مع اليونان، فقامت تفاهمات بينهما بناءً على حسابات تهدف إلى حصار تركيا واستبعادها، وحبسها في شريطها الساحلي في بحر إيجة وشرق المتوسط.

وتستغل اليونان تردي العلاقات التركية الأميركية، التي تمر بواحدة من أسوأ الفترات في تاريخهما، من جراء سياسة التوازنات التي تتبعها أنقرة حيال القضايا الإقليمية والدولية.

كما تستغل اليونان دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما فرنسا، التي دأبت على توفير الغطاء السياسي والدعم الدبلوماسي لجميع التحرشات والخروقات اليونانية.

وتعتبر الجزر الموجودة في بحر إيجة أبرز الملفات الخلافية حساسية في العلاقة بين تركيا واليونان، حيث يتجلى نزاع السيطرة على المجال البحري والجوي في بحر إيجة.

منذ عام 1995، وتركيا تعلن للرأي العام، أن توسيع اليونان لمجالها البحري والجوي سيعتبر سببًا للحرب، لا سيما أن المطالب اليونانية لم تقتصر على المجال البحري، بل تعدته إلى المجال الجوي أيضا، وذلك حين أعلنت اليونان مد مجالها في بحر إيجة من 6 إلى 10 أميال.

مؤخرا تصاعدت حدة التوتر بين البلدين الجارين، على خلفية الخطاب الذي أدلى به رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس في الكونغرس الأميركي بشأن منح الولايات المتحدة النسخ المطورة من مقاتلات "أف16" لتركيا، ولا تعد مسألة تسليح اليونان للجزر مسألة جديدة، لكنها أثيرت وسط امتعاض تركي من تزايد القواعد الأميركية في اليونان، مما يجعل السلطات اليونانية أكثر جرأة على تحدي القرارات الدولية، المتمثلة باتفاقيتي لوزان وباريس بشأن بقاء الجزر المتنازع عليها منزوعة من السلاح.

وتشير المصادر العسكرية التركية، إلى زيادة كبيرة في حجم القوات والقدرات العسكرية اليونانية، التي تنشر في الجزر بشكل غير قانوني، خصوصا مع وجود القوات الأميركية من خلال تسع قواعد رئيسية.

أردوغان يرد بحزم على التصعيد اليوناني الأخير

ردا على التصعيد اليوناني الأخير، حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليونان من مغبة التمادي في ممارساتها الاستفزازية، وأكد عدم اعتراف أنقرة باحتلال أثينا لبعض الجزر.

وقال أردوغان مخاطبا أثينا: "انظري إلى التاريخ، إذا تماديتِ أكثر فسيكون ثمن ذلك باهظا، لدينا جملة واحدة لليونان، لا تنسوا إزمير".. في إشارة إلى الانتصار الذي حققته تركيا على اليونان، وتمكنت من خلاله طرد اليونانيين من إزمير".

وأردف أردوغان قائلا: "لا نعترف باحتلالكم للجزر، سنقوم بما يلزم عندما يحين الوقت، يمكننا أن نأتي على حين غرة ذات ليلة".

وأشار أردوغان إلى أن الولايات المتحدة ترسل الأسلحة والطائرات إلى أثينا ومدينة "دده أغاج" (أليكساندروبولي) اليونانية، في حين تقوم الأخيرة بتهديد الطائرات التركية باستخدام منظومة الدفاع الجوي الروسية إس 300.

وفيما بدت رسالة للطرف اليوناني، أجرى وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، طلعة جوية في سماء بحر إيجة، بمناسبة بدء العام الجديد للتدريب على طيران قوات الجوية، عبر من خلالها عن استعداد وجاهزية جيش بلاده للدفاع عن "الوطن الأزرق".

حلال لليونان حرام على تركيا

تكفي الأحداث الأخيرة للدلالة على ازدواجية المعايير التي تنتهجها واشنطن في تعاملها مع دولتين حليفتين لها في حلف الناتو، حيث تقوم الدفاعات الجوية اليونانية باستفزاز الطائرات التركية التي تقوم بمهمات حلف الناتو في الجبهة الجنوبية، تارة من خلال الطيران الحربي، وتارة عن طريق قفل الرادار عليها، أي وضعها في دائرة الهدف، بواسطة منظومة إس 300 الروسية!.

واشنطن ومعها الأوربيون الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها عندما قامت تركيا بشراء منظومة دفاع روسية، لا يحركون ساكنا تجاه منظومة إس 300 الروسية التي تمتلكها اليونان منذ سنوات!.. أي حلال على اليونان حرام على تركيا، وهذه قمة في ازدواج المعايير!..

ثم إذا كان حلف الناتو تحالفًا عسكريا دفاعيا مشتركا، فلماذا تتسلح اليونان الدولة العضو في الناتو ضد تركيا الدولة العضو الآخر في الحلف؟!.. ولماذا تقوم دول في الحلف مثل فرنسا بدعم طرف ضد آخر؟!.

حول أسباب ودوافع التصعيد اليوناني الأخير

دأبت القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، على افتعال بؤر للتوتر والحروب بالوكالة، من خلال إذكاء الخلاف بين الدول خدمة لمصالحها.

في هذا السياق تحديدا يأتي التوتر بين أنقرة وأثينا، ليصب في مصلحة الولايات المتحدة، خصوصا مع إصرار أنقرة على تأسيس المنطقة الآمنة في الشمال السوري، وعزمها على شن عملية عسكرية ضد ميليشيات "قسد" الانفصالية هناك، إضافة إلى الأدوار الفعالة الناجحة والنشطة، التي تقوم بها أنقرة في أكثر من منطقة، وعلى أكثر من صعيد، مثل تخفيف حدة التوتر في أوكرانيا، ولعب دور رئيسي في تصدير الحبوب من البحر الأسود إلى دول العالم، مما أنقذ عدة دول من مجاعة حقيقية كانت ستحل بها، ودور تركيا الأساسي والحساس في ملفات عديدة، منها سوريا وليبيا وأوكرانيا والبلقان وجنوب القوقاز.

سبب آخر لا يقل عن الأسباب السالفة الذكر، يتعلق بالانتخابات التركية المقبلة. حيث تمارس واشنطن ضغوطا كبيرة على الرئيس أردوغان وحكومته، بهدف فرض حالة من الارتباك في سياسته الخارجية، بدفعه أكثر إلى صف بوتين الذي سيخسر الحرب الأوكرانية، وبالتالي يصبح أردوغان ضمن الطرف الخاسر، مما يقوي حظوظ المعارضة التركية، التي ستكسب أوراقا جديدة إضافية، إلى جانب ورقة اللاجئين، وورقة الاقتصاد وارتفاع معدل التضخم.

ويشكل رفع الحصار عن تصدير الأسلحة للجزء الرومي من جزيرة قبرص دليلا آخر على وقوف واشنطن وراء التوتر الأخير بين أنقرة وأثينا.

احتمالات الصدام العسكري

رغم ارتفاع وتيرة الاستفزازات اليونانية، يبدي المسؤولون الأتراك من كافة المستويات، عزمهم على الدفاع عن حقوقهم المكفولة بالقانون الدولي، مهما كان الثمن، ويؤكدون استعدادهم وجاهزية قواتهم للتصدي لأي عدوان تقوم به اليونان، ويحملون رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس كامل المسؤولية في توتير الأجواء بين البلدين لحساباته السياسية. لكنهم في الوقت ذاته لا يترددون في دعوة جارتهم إلى تحكيم صوت العقل والحكمة، من خلال التأكيد على أن السلام خير من الحرب، وأن لدى البلدين كثيرا من المصالح المشتركة التي تعود بالأمن والرخاء على الشعبين الجارين.

 

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب سياسي مختص بالشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس