زاهد صوفي ـ خاص ترك برس

تتجه أنظار العالم إلى العاصمة التشيكية براغ التي تستعد لاحتضان قمة "المجتمع السياسي الأوروبي" يوم السادس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، حيث يتوقع أن تتشكل خلال القمة منصة غربية جديدة لمواجهة التحديات والمخاطر الروسية المحدقة بالقارة الأوروبية بشكل واضح عقب احتلال الروس مناطق أوكرانية جديدة مؤخرا.

القمة التي دعا إلى انعقادها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سيحضرها زعماء وقادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وقد تم توجيه دعوة إلى زعماء تركيا وصربيا والجبل الأسود وألبانيا وشمال مقدونيا وكوسوفو والبوسنة والهرسك وكذلك النرويج وليختنشتاين وسويسرا وبريطانيا وأيسلندا وأوكرانيا وجورجيا ومولدوفا وأرمينيا وأذربيجان لحضور القمة المرتقبة.

وتهدف القمة إلى إحياء العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول الأوروبية غير الأعضاء ودول الاتحاد الأوروبي، وبناء على ذلك سيتمكن الدول غير الأعضاء من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من خلال استيفاء المعايير بمرور الزمن، بعبارة أخرى، فإن مشروع المجتمع السياسي الأوروبي سيكون بمثابة نموذج "التكامل المرن" ضمن سيناريوهات علاقات الاتحاد الأوروبي المستقبلية مع الدول غير الأعضاء.

هل يشارك أردوغان في القمة؟

ووسط الدعوات الموجه لقادة عدد من الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تبرز الدعوة الموجهة إلى تركيا التي لم تعلن حتى الآن ما إذا كانت ستشارك على مستوى الرئيس رجب طيب أردوغان في القمة التي من المنتظر أن تُوجّه فيها انتقادات لاذعة لروسيا وزعيمها فلاديمير بوتين.

 بالنظر إلى عدم اتضاح الموقف التركي من المشاركة رغم اقتراب موعد انعقاد القمة المزمعة في براغ يوم السادس من أكتوبر الجاري، يبدو أن أنقرة مترددة في المشاركة، سيما أنها لا تريد أن تقع في فخ مماثل لتلك التي وقعت فيها حين شاركت عام 2008 في قمة "الاتحاد من أجل المتوسط.

ففي منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما بدأت حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان في تفجير رياح الإصلاح الديمقراطي، أصيبت فرنسا وألمانيا بالذعر ليس لأن تركيا لا تفي بمعايير العضوية، بل على العكس تماما. والدليل على ذلك أن الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي عندما رأي الكم الهائل من الإصلاحات الديمقراطية، قال عبارته الشهيرة "مكان تركيا ليس في أوروبا"، وأوقف حينها جزءًا من فصول العضوية بدعم من ألمانيا واقترح تشكيلا بديلا وهو "الاتحاد من أجل المتوسط" بهدف مماطلة مفاوضات انضمام أنقرة ودفعها إلى نسيان العضوية التامة في الاتحاد.

الاتحاد من أجل المتوسط الذي تأسس عام 2008 في مدينة برشلونة الإسبانية، لم يكن سوى منظمة تأسست فقط لمنع تركيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. في البداية ترددت تركيا في الانضمام إلى المنظمة خشية أن تكون بديلاً لعضويتها في الاتحاد الأوروبي. لكنها شاركت بعد أن تلقت وعودا كلامية فقط بأن مشاركتها في الاتحاد من أجل المتوسط ​​لن تعيق مفاوضات عضويتها في الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من كل العراقيل والسلبيات وخيبات الأمل التي مرت بها أنقرة، لم يتمكن ساركوزي من دفع الأتراك إلى التخلي عن هدف العضوية في الاتحاد الأوروبي، ولم يقل الأتراك "لماذا يجب أن نكون أعضاء في الاتحاد الأوروبي ما دمنا في الاتحاد من أجل المتوسط؟".

الخلاصة إن منظمة "الاتحاد من أجل المتوسط" ما هي إلا واحدة من المنظمات الدولية غير الضرورية التي يصعب تفسير سبب وجودها. وموظفو المنظمة مدينون لساركوزي وتركيا لحصولهم على وظيفة في واحدة من أجمل مدن أوروبا.

واستنادا إلى تجربة "الاتحاد من أجل المتوسط"، يتضح للعيان أن قمة "المجتمع السياسي الأوروبي" ستكون بمثابة منظمة أخرى غير ضرورية مقرها في أوروبا، لكن الشكر سيذهب هذه المرة لماكرون من جهة، ولروسيا وأوكرانيا من جهة أخرى.

وإذا ما نظرنا إلى التصريحات التركية تجاه الاتحاد الأوروبي وقادته، نلاحظ أن أنقرة لم تعد كما كانت سابقا متلهفة لحضور اجتماعات وقمم الاتحاد الأوروبي، سيما أن هناك آراء في أنقرة ترى بأن القمة المرتقبة ستتحول إلى قمة استعراضية لماكرون.

والأبعد من هذا كله، فإن أنقرة ترى بأن هذه القمة ستكون بمثابة منصة لتوجيه انتقادات شديدة ولاذعة لروسيا، الأمر الذي قد يتسبب في تقويض دور الوساطة الذي تحاول أنقرة أن تلعبه في الحرب الروسية الأوكرانية.

بالمقابل هناك وجهات نظر ترى بأن عدم مشاركة الرئيس أردوغان في القمة ستضع تركيا في موضع الدولة التي تفضّل "الأنظمة الاستبدادية" على "الأنظمة الديمقراطية"، وهذا قد يلحق بعض الأضرار بتركيا لا سيما على الصعيد الاقتصادي على اعتبار أن دول الاتحاد الأوروبي تشكل العمود الفقري لقطاع الصادرات التركية.

وانطلاقا من دواعي السياسة المتعددة الأبعاد التي تنتهجها تركيا في الآونة الأخيرة، فإنه من المرجح أن يقرر الرئيس أردوغان الذهاب إلى براغ وحضور القمة والظهور في صورة جماعية مع القادة الأوروبيين على غرار الصورة التي ظهر فيها مع قادة قمة شنغهاي للتعاون الشهر الماضي.

فالرئيس أردوغان الذي أثارت صوره في قمة سمرقند لمنظمة شنغهاي للتعاون الجدل، ليس بالقائد الذي يفوت فرصة "الشخصية المهمة" الذي يربطه علاقات جيدة مع قادة الغرب وكذلك الشرق.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس