ترك برس

من المعروف للجميع أن أنشطة جماعات الضغط (اللوبي) تحتل مكانة مهمة في الولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها يتناسب مع قوة المجموعات العرقية التي تمثلها.

وكما الأرمن واليهود، ينشط اليونانيون أيضًا في الولايات المتحدة من خلال جماعات الضغط.

وفي الوقت الذي تقوم فيه الإدارة القبرصية الجنوبية بتقديم الدعم لليونانيين في أمريكا من خلال أكثر من 100 مجموعة ضغط، تقدم مجموعات الضغط الأرمنية أيضًا دعمًا لنظيراتها اليونانية بعد تحالف تم إبرامه بين الجانبين في 1974.

وعليه، كان على تركيا منذ ذلك التاريخ أن تعمل على مواجهة جماعات الضغط الأرمنية واليونانية التي تعتبر من الأكثر نشاطًا في الولايات المتحدة.

تميل اليونان إلى الانخراط في أنشطة الضغط لطلب الدعم في مواجهة الأزمات السياسية مع تركيا، فيما تهرع الدول الداعمة لمعاهدة "سيفر" لعون حكومة أثينا.

وتعمل اليونان بفضل الدعم الذي تتلقاه من مجموعات ضغط مثل "الجمعية التقدمية اليونانية للتربية والتعليم" والمعهد الأمريكي "الهيليني"، على حشد الدعم ضد تركيا في ملفات أبرزها القضية القبرصية والكنيسة الأرثوذكسية (المسكونية) والمدرسة الإكليريكية وتراقيا الغربية والأزمات المتعلقة ببحر إيجة، ومشتريات تركيا من الأسلحة.

وبعد تولي جو بايدن سدّة الرئاسة، تم إحراز تقدم كبير في العلاقات بين أثينا وواشنطن بالتزامن مع تنامي أنشطة اللوبي اليوناني، التي تسعى لحشد الدعم لليونان وتعمل على الإضرار بعلاقات تركيا مع واشنطن.

- الإمكانات الاقتصادية لليونان

تبرز اليونان، بارتفاع نسبة الشيخوخة بين السكان، إلا أنها تختلف عن باقي الدول الغربية من ناحية عدم امتلاكها سياسة انجابية.

وتحاول اليونان الحفاظ على كيانها السياسي من خلال تبني نهج محافظ تقليدي، في ظل عدم امتلاكها القوة اللازمة للقيام بخطوة من أجل تحقيق تحول صناعي وكذلك عدم امتلاكها التعليم الفني والإنتاج اللذان يساهمان في تلبية المتطلبات المتزايدة للسكان.

هذا يؤدي بطبيعة الحال إلى هجرة الأدمغة والخبرات نحو بلدان أوروبا الغربية.

وعلى الرغم من وعود بعض السياسيين بمنع هجرة الأدمغة، إلا أن تلك الوعود بقيت حبرًا على ورق.

إضافة إلى ذلك، لا تمتلك اليونان موارد باطنية غنية، ولا بنية تحتية مناسبة للقيام بخطوات تجاه التحول الصناعي.

فالأراضي الصالحة للزراعة غير كافية لتوفير الغذاء للسكان في البلاد، فيما تنقل المواد الخام اللازمة للإنتاج بالكامل بواسطة السفن والموانئ المنتشرة على طول الساحل اليوناني ما يخلق صعوبات متنوعة أمام أثينا فيما لو توقف النقل البحري عن التوريد.

وإضافة إلى ما سبق، تعاني اليونان من أزمة المياه العذبة بسبب الموقع الجغرافي، وخاصة في الجزر.

ورغم توقع الخبراء بظهور مشاكل كبيرة على هذا الصعيد بسبب تأثير الاحتباس الحراري، إلا أن مسؤولي الدولة اليونانية ليس لديهم أي خطة حول هذه القضية، ما يعني أيضًا أن البلاد سوف تواجه التأثيرات السلبية في مجالات مختلفة أبرزها السياحة والثروة السمكية وإنتاج الخضار والفاكهة.

وبالرغم من الحوافز والدعم المقدم من الاتحاد الأوروبي بشكل عام وألمانيا بشكل خاص، إلا أن المشاريع التي تساهم في التحول الصناعي في اليونان تُركت غير مكتملة في بعض الأماكن ولم تبدأ في أماكن أخرى.

وتم التخلي عن مجموعة كبيرة من مشاريع المناطق الصناعية لأسباب داخلية مثل انتشار الفساد (الرشوة) والتخطيط الخاطئ للمشاريع والصراعات السياسية.

إضافة إلى أن المؤسسات التعليمية العامة والمخصصة لتدريب الطلاب التقنيين لا تزال بعيدة كل البعد عن الاندماج مع التقنيات المتطورة التي ظهرت في العالم مؤخّرًا.

- ظاهرة الفساد

أما بالنسبة للتوقعات السياسية، فيمكن القول إن عدم الكفاءة الناجم عن الصراعات السياسية في اليونان وصل إلى مرحلة الذروة فيما بدأت الدولة تمنح جميع وظائف الخدمة المدنية تقريبًا وفق الانتماءات السياسية.

وتناولت وسائل الإعلام هذه الظاهرة بكثرة مؤخرًا، حيث جرى الكشف عن تلقي مسؤولين رفيعي المستوى في الشرطة رشاوى في قضايا فساد من شأنها الإخلال بالنظام العام.

أما عن مشتريات البلاد من الأسلحة من مصادر أجنبية، فقد تبين أن كبار المسؤولين التنفيذيين والسياسيين تلقوا رشاوى لشراء أسلحة من شركات ألمانية وفرنسية.

إلى ذلك، نشرت الصحافة اليونانية في 2 يناير/ كانون الثاني 2014، أنباءً حول قضايا فساد في اليونان.

وذكر القضاء اليوناني أن عسكريين كبار قاموا بأعمال مقابل رشاوى في أكثر من 10 برامج تسليح في وزارة الدفاع بين عامي 1990 و2000.

ووفقًا لمنظمة الشفافية الدولية، يظل الفساد والرشوة مشكلة رئيسية في اليونان، ووفق بيانات هذه المنظمة، بلغت الرشوة ذروتها مع الأزمة الاقتصادية التي عاشتها اليونان عامي 2007-2008..

كما تحتل اليونان اليوم المرتبة 49 من بين البلدان التي زادت فيها الرشوة أكثر في السنوات العشر الماضية.

- سياسة اليونان تجاه تركيا

لا يبدو أن التنافس بين تركيا واليونان سوف يصب في صالح أثينا على المديين المتوسط والطويل رغم الخطابات الرنانة التي يطلقها السياسيون في اليونان والتي تهدف لإعطاء المجتمع الشعور بأن "التفوق ضد تركيا" تحول إلى حقيقة.

إضافة إلى المساعي الذي يبذلها الخطاب المشار إليه من أجل خلق أجندات زائفة والحصول على دعم عسكري من بلدان أوروبا الغربية.

إلى ذلك، نستطيع القول إن دخول اليونان في صراع ضد تركيا بدعم من القوى الغربية، دون إدراك أثينا لقوتها الديموغرافية والاقتصادية والعسكرية ونواقصها، يعني بالضرورة أن التاريخ سيعيد نفسه. فالبيانات المتاحة تظهر أن اليونان ليس لديها فرصة للفوز في المعركة.

بدورها، تعمل الدول الغربية على استمالة تركيا لصالحها في مواجهة الأنشطة المشتركة الصينية الروسية في البحر المتوسط، والتي من المرجح أن تتزايد في السنوات المقبلة.

ما يعني زيادة أهمية ومكانة تركيا في دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي وزيادة الضغط أيضًا على أثينا من أجل تقديم تنازلات.

من ناحية أخرى، تسعى اليونان لخلق أجواء الوئام التام مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلا أن تلك المساعي تصطدم بعدم قدرة اليونان على لعب دور مهم في مجال ناقل الطاقة. ما يضع أثينا أمام حل وحيد وهو نقل النفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط بالتعاون مع تركيا، التي تحولت إلى "بوابة للطاقة" بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!