ترك برس

ذكر تقرير صحفي أن أبرز ما يعيق التطبيع الكامل في العلاقات التركية المصرية، هو الخلافات القائمة بين البلدين إزاء الملف الليبي والتطورات الخاصة بشرق المتوسط وما فيه من موارد للطاقة وخاصة الغاز الطبيعي.

وبحسب تقرير "القدس العربي"، لا زال الصراع حول النفوذ والحدود البحرية والموارد الطبيعية، وعلى رأسها الغاز في شرق البحر المتوسط، عائقاً كبيراً في مسار إعادة تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر، وهو ما تجدد بقوة عقب توقيع الاتفاق التركي الليبي الأخير، وما أعقبه من تحركات وإدانات مصرية يونانية مشتركة، ما يشير إلى خلاف جوهري جديد قد يدفع إلى مزيد من التأخير والتعقيد في مسار التقارب بين أنقرة والقاهرة.

ومنذ أكثر من عام، بدأت تركيا مساراً لإعادة تطبيع العلاقات مع دول المنطقة، ونجحت تدريجياً في إعادة تطبيع العلاقات مع الإمارات والسعودية وإسرائيل ودول أخرى حول العالم، إلا أن المسار المتواصل مع مصر واجه صعوبات بالغة، ولم يجر حتى اليوم تحقيق اختراق حقيقي يتمثل في إعادة تبادل السفراء أو عقد لقاءات سياسية على مستوى متقدم، حيث بقيت الاتصالات على مستوى الاستخبارات والدبلوماسية المنخفضة.

وإلى جانب معيقات مختلفة تتعلق بالتنافس الإقليمي والخلاف الجوهري المتعلق بجماعة "الإخوان المسلمين" ودعم المعارضة المصرية وقنوات المعارضة في تركيا وغيرها، كان ملف ليبيا وشرق المتوسط أحد أبرز الملفات الخلافية بين البلدين، حيث تدعم تركيا حكومة الدبيبة في طرابلس، بينما لا تزال القاهرة تدعم برلمان طبرق والحكومات المنبثقة عنه، إلى جانب اصطفاف القاهرة إلى جانب اليونان في حسابات شرق المتوسط التي تعتبر حالياً بمثابة القضية الإستراتيجية الأولى لتركيا.

واستناداً إلى مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين البلدين عام 2019، وقعت تركيا وليبيا، مؤخراً، مذكرة تفاهم جديدة تتيح التنقيب المشترك عن النفط والغاز في المناطق التي يشملها اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، والذي لاقى رفضاً من أطراف إقليمية مختلفة أبرزها مصر واليونان.

وبموجب الاتفاق الجديد، سوف تتعاون الشركات التركية مع الجانب الليبي في التنقيب بالمناطق الاقتصادية التابعة لليبيا، بموجب اتفاق ترسيم الحدود بين البلدين، وهو ما أعاد إلى الواجهة الخلافات مع اليونان ومصر، حيث جدد البلدان رفضهما للاتفاق، وسط حراك دبلوماسي وتنسيق مشترك للتعامل مع الخطوة التركية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة خطر تجدد الاحتكاكات العسكرية البحرية بين الجانبين.

وبعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا عام 2019، وقعت مصر واليونان اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية يتعارض مع مناطق الاتفاق التركي الليبي، وبالتالي فإنه، وفي حال بدأت تركيا بالفعل التنقيب في المناطق المتنازع عليها، هناك خشية حقيقية من حصول صدام دبلوماسي، وربما عسكري، خاصة إذا جرت أي محاولات تركية ليبية للتنقيب في المناطق التي تقع ضمن اتفاق ترسيم الحدود بين مصر واليونان، وذلك على الرغم من أن أنقرة تقول إن الاتفاق بينها وبين ليبيا يمنح مصر مساحات بحرية واسعة خسرتها بموجب اتفاق القاهرة مع أثينا.

وعقب اتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين، قال وزير الخارجية اليوناني إنه ونظيره المصري يعتبران "حكومة طرابلس فاقدة للشرعية التي تخوّلها توقيع اتّفاق كهذا"، وبينما هددت اليونان بمنع أي تحرك تركي ليبي في مناطق الاتفاق الجديد استندت في ذلك إلى اتفاقها مع مصر، وهو ما يضع القاهرة في قلب أي صراع بحري محتمل بين أنقرة وأثينا.

ورداً على سؤال حول مخاوف أعربت عنها دول أخرى من هذه الاتفاقية، قال الوزير التركي إنّ "هذه المذكرات هي مسألة بين دولتين تتمتعان بالسيادة، وهي مكسب للطرفين وليس للدول الأخرى الحقّ في التدخّل في هذه الأمور"، من جهتها رحّبت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش بهذا الاتفاق "المهم".

وعلى الرغم من أن التصريحات والانتقادات جاءت بالدرجة الأولى من اليونان ومصر، إلا أن وزارة الخارجية التركية فضلت حصر ردها وانتقاداتها لليونان والاتحاد الأوروبي وتجنب الدخول في صدام مباشر مع مصر التي لم يذكرها بيان الخارجية التركية، وهو ما يؤشر إلى رغبة تركية في امتصاص الرد المصري وتجنب التصعيد والدخول في دائرة من التصريحات المتبادلة التي قد تتدحرج لتعمق الأزمة بين البلدين.

حيث أكد الناطق باسم وزارة الخارجية التركية طانجو بيلغيتش "عدم أهمية التصريحات الصادرة من اليونان والاتحاد الأوروبي بحق مذكرة التفاهم في مجال الموارد الهيدروكربونية بين تركيا وليبيا، بالنسبة لأنقرة"، معتبراً أن "الاعتراض على هذا الاتفاق المبرم بين دولتين تتمتعان بالسيادة، يتعارض مع القانون الدولي والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة"، دون أي ذكر للبيانات والتصريحات المصرية.

ومؤخراً انصبّ التركيز التركي على إتمام تطبيع العلاقات مع مصر، والذي يسير بخطوات بطيئة جداً منذ انطلاقه قبل عدة أشهر، حيث لم يشهد أي اختراق حقيقي من قبيل إعادة تبادل تعيين السفراء بين البلدين، أو حصول لقاءات رسمية على مستويات رفيعة، ولكن دون حدوث تراجع في المسار الذي يبدو أنه يتقدم، ولكن بوتيرة بطيئة جداً لا تتوافق مع رغبة تركيا التي تريد خطوات أسرع لإتمام هذا المسار أيضاً، قبل أن تعود إلى الواجهة أزمة شرق المتوسط التي تهدد بحصول تراجع هذه المرة.

وكما جرى في المسارات السابقة مع الدول الأخرى، انتقلت الاتصالات التركية مع مصر من مستوى الاستخبارات والدبلوماسية المنخفضة إلى الدبلوماسية الرسمية، وهي الخطوة التي تسبق بالعادة الإعلان عن لقاء على المستوى السياسي الأول لتكون هذه الخطوة بمثابة إعلان رسمي عن إنهاء الخلافات وفتح صفحة جديدة في سجل العلاقات بين البلدين، إلا أن الخطوة الأخيرة والأهم لم تتحقق بعد.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!