د. سمير صالحة - أساس ميديا

كلّ الطرق تؤدّي إلى موسكو. إنّه الشعار الجديد الذي ترفعه قيادات الكرملين في مواجهة الغرب وفي التعامل مع الدول الصديقة والحليفة في العالم.

نجحت أنقرة بالتنسيق مع الأمانة العامّة للأمم المتحدة في جهود البحث عن صيغة تُرضي روسيا وتدفعها إلى التراجع عن قرار تجميد مشاركتها في اتفاقية إسطنبول للحبوب. الاحتمال الأكبر هو أنّ جهود الحراك التركي الرباعي، الذي ساهم فيه رجب طيب إردوغان وشاووش أوغلو وكالين وأكار في أكثر من اتجاه سياسي ودبلوماسي وعسكري، كان ينصّب على إقناع بوتين بتسهيل استمرار تنفيذ الاتفاقية حتى موعد انتهائها في 19 من الشهر الحالي، ثمّ البحث عن صيغة اتفاق جديد تأخذ بالاعتبار المطالب والشروط الروسيّة التي تتضمّن أكثر من شقّ سياسي واقتصادي وأمنيّ.

لم يتبق على موعد انتهاء مدّة الاتفاق الذي وقّعته كييف وموسكو في 22 تموز الماضي برعاية الأمم المتحدة وتركيا، سوى 3 أسابيع، ومع ذلك تقدِم روسيا على خطوة من هذا النوع. فما هو السبب؟

بوتين يُذكر

بوتين منذ البداية ترك الباب مشرعاً أمام الحراك التركي – الأممي. هدفه كان فقط تذكيرهما بضرورة عقد صفقة جديدة مع بلاده في ملفّات الحرب الأوكرانية وتفرّعاتها عندما قال إنّ "روسيا لم تنسحب من اتفاق تصدير الحبوب الأوكرانية عبر موانئ البحر الأسود، لكنّها تعلّق مشاركتها فيه".

الذريعة المباشرة التي قدّمتها موسكو وهي تعلن تجميد مشاركتها في اتفاقية إسطنبول لتسهيل خروج مئات الأطنان من الحبوب المحاصَرة في العنابر والمستودعات الأوكرانية، هي استهداف كييف بالتنسيق مع المخابرات البريطانية السفن الروسية في البحر الأسود. وهذا يعني أنّ روسيا لن تتراجع عن اتفاق ساهمت في بنائه مع تركيا والأمين العام للأمم المتحدة، وأسفر حتى اليوم عن تصدير أكثر من 9.5 ملايين طن من الحبوب الأوكرانية لتخفيف ارتدادات أزمة غذاء عالمية.

 

خداع موسكو ومناوراتها 

قالت موسكو إنّه بانتظار توضيح الموقف الناجم عن العمل الإرهابي الذي ارتكبته أوكرانيا في 29 تشرين الأول ستوقف مشاركتها في الخطة. لكنّ أنقرة والأمم المتحدة واصلتا تحميل 15 سفينة وتفتيش 97 أخرى وصلت المضائق التركية، فيما هناك طلبات تحميل مقدَّمة من 89 سفينة. موسكو منذ البداية إذن كانت تناور باحتراف للوصول إلى ما تريده قبل إعادة إشعال الضوء الأخضر والموافقة على العودة إلى خطة اسطنبول لنقل الحبوب الأوكرانية.

تعلن روسيا أنّ الموادّ المصدَّرة من أوكرانيا تذهب في معظمها إلى الأسواق الغربية. الرابح هنا هو أوروبا تحديداً، بينما الحديث كان يدور عن إنقاذ البلدان الفقيرة ودول العالم الثالث من أزمة غذاء كارثية.

كان بوتين أكثر وضوحاً في أيلول الماضي بقوله: "لقد خُدعنا في اتفاقية الحبوب، وسنعمل على تخفيف العقوبات المفروضة على الموادّ الغذائية الروسية، وضمان وصول الجزء الأكبر من صادراتنا عبر البحر الأسود إلى الدول الفقيرة والنامية". لماذا تستردّ كييف عافيتها عبر موارد ماليّة ضخمة تساهم روسيا في توفيرها لها تحت غطاء الشقّ الإنساني وإنقاذ العالم، بينما تعاني هي من الحصار والحظر وتضييق الخناق على منتجاتها؟ ما تريده موسكو في الأصل هو تعديل اتفاقية إسطنبول أو توقيع اتفاقية جديدة بهدف رفع الحصار الغربي المفروض عليها. فهل حصلت التفاهمات على خط موسكو – أنقرة – نيويورك وكييف؟

يعتبر الغرب أنّ الاتفاق الذي ساهم في نقل أكثر من 9 ملايين طن من الحبوب الأوكرانية إلى الخارج وفي خفض الأسعار ومحاصرة أزمة غذائية عالمية، كان ناجحاً ويجب أن يستمرّ، لكنّه لا يريد أن يأخذ ما تقوله موسكو بعين الاعتبار. "القرار الروسي ابتزاز جماعي". يصف الرئيس الأميركي تعليق روسيا مشاركتها في اتفاق تصدير الحبوب من الموانئ الأوكرانية بالأمر الشنيع. وكان وزير خارجيّته أنتوني بلينكن أكثر وضوحاً: "روسيا تحاول استخدام الغذاء كسلاح تجاه الأطراف الأخرى". يعني كلّ ذلك أنّ أميركا وحلفاءها لن يسهّلوا مهمّة الأتراك والأمانة العامة للأمم المتحدة. الذي سهّل المهمة إذن هو بوتين نفسه الذي عرقلها قبل أيام لقول ما عنده للمجتمع الدولي ولأخذ ما يريد.

 

الأمم المتحدة منفتحة على روسيا

يؤكّد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية منسّق المعونة الطارئة، مارتن غريفيث، لأعضاء مجلس الأمن في جلسة طارئة مساء الإثنين المنصرم، أنّه خلافاً للادّعاءات الروسية لم تكن توجد في الممرّ الإنساني خلال ليلة 29 تشرين الأول حين تعرّض الأسطول الروسي في خليج سيفاستوبول للهجوم. لكنّ غريفيث يؤكّد أيضاً دور روسيا الإيجابي في إيصال الأمور إلى ما هي عليه اليوم، "ففي إطار الاتفاقية اشترت 38 دولة نحو تسعة ملايين طن من الحبوب من أوكرانيا، لكنّ هذه الكميّات لم تذهب كلّها إلى البلدان الأشدّ حاجة". اللافت أكثر في مواقف الأمم المتحدة هو انفتاحها على الطلب الروسي، والإعلان أنّ خطة غوتيريش تضمّنت "التنفيذ الموازي" لمبادرتين: مبادرة حبوب البحر الأسود، ومذكّرة التفاهم بشأن تشجيع الصادرات من دون عوائق للأغذية والأسمدة الروسية إلى الأسواق العالمية.

نجحت أنقرة في مهمة إقناع موسكو بالعودة إلى الطاولة الرباعية وتجاوزت أزمة محتملة في العلاقات مع موسكو وهي ترسم معالم علاقتها مع روسيا الجديدة في القرم والبلطيق والبحر الأسود. ما كان يقلق أنقرة وما يزال هو كيف ستردّ على مطالب الكرملين المحتملة بفتح طريق المضائق أمام البواخر التجارية الروسيّة التي ستنقل الحبوب إلى العالم الخارجي؟

تمسّك روسيا بقرار تجميد مشاركتها في اتفاقية نقل الحبوب الأوكرانية إلى دول العالم قد يعني العودة إلى سيناريوهات سوداوية ذات طابع غذائي ومعيشي واقتصادي قد تتحوّل إلى أزمات سياسية وأمنيّة أكبر. لكن هدف أنقرة هو أبعد من ذلك لناحية حماية مسار علاقاتها مع روسيا والغرب على السواء. يعلن وزير الزراعة الروسي ديميتري باتروشيف أنّ موسكو مستعدّة لتوريد ما يصل إلى 500 ألف طن من الحبوب إلى الدول الفقيرة خلال الأشهر الأربعة المقبلة بمساعدة تركيا. ربّما تكون رسائل روسيّة إيجابية باتجاه الجانب التركي، لكنّها قد تكون مفخّخة وتؤدّي إلى تفجير العلاقات التركية الغربية المتباعدة من باب التعامل مع روسيا في ملفّ الأزمة الأوكرانية. وهذا ما أرادت تركيا تجنّبه.

كانت أنقرة تردّد أنّ مدّة تطبيق اتفاقية الحبوب الرباعية ستنتهي في الأسبوع الثالث من شهر تشرين الثاني الحالي، وأنّها تبحث مع الطرفين الروسي والأوكراني خطط تمديد الاتفاقية لثلاثة أو ستة أشهر مقبلة. قلبت موسكو الحسابات، فهي تريد الوصول إلى مذكّرة تفاهم جديدة مختلفة عن بنود اتفاقية إسطنبول الرباعية. فهل أخذت موسكو ما تريده من ضمانات تركية أممية بهذا الاتجاه؟

احتمالات مفتوحة

لا يمكن فصل العرض الأخير الذي تقدّم به الرئيس فلاديمير بوتين بتحويل تركيا إلى خزّان غاز روسيّ يلعب دور جسر التواصل مع الغرب، عن الطلب الذي قد تتقدّم به موسكو خلال أيّام ويتعلّق بضرورة تفعيل موادّ اتفاقية مونترو للمضائق الموقّعة عام 1936، وفتح الأبواب أمام السفن التجارية الروسية المحمّلة بالموادّ الغذائية.

ستكون اتفاقية مونترو أمام امتحان جديد إذا ما تمسّكت روسيا بقرار إنهاء اتفاقية إسطنبول وطالبت أنقرة بفتح المضائق البحرية أمام انتقال حبوبها وزيوتها وأسمدتها إلى العالم الخارجي عبر البوسفور والدردنيل التزاماً بتعهّدات تركيا في هذه الاتفاقيات. لم تلتحق أنقرة بقرارات العقوبات والحظر الغربية ضدّ روسيا، لكنّها جمّدت عبور السفن الحربية عبر مضائقها. فكيف ستتصرّف هذه المرّة؟ تتقدّم استراتيجية حزب العدالة والتنمية على أنّ "حاضرنا مع الغرب لكنّ مستقبلنا هو مع روسيا والصين أيضاً". إذن ما الذي يمنع واشنطن من صبّ الزيت فوق نار العلاقات التركية الروسية لتوتيرها عند كلّ فرصة سانحة؟

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنّ "ما يجري الآن في أوكرانيا هو إجراء اضطراريّ، ولا ننوي إلحاق الضرر بالنظام العالمي الذي نحن جزء منه، وعلى شركائنا إدراك ذلك". تصعّد موسكو على جبهة، لكنّها تهدأ على جبهة أخرى. يقول وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف: "نحن جاهزون لطاولة حوار سياسي جديدة مع أوكرانيا". تريد روسيا توسيع رقعة الاتفاقية وفتح الطريق أمام مغادرة موادّها الغذائية موانئها باتجاه الأسواق العالمية. لكنّ الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف يقول أكثر من ذلك: "استماع أميركا إلى ما يقلقنا يمكن أن يفتح الطريق أمام قمّة روسية أميركية قريبة". ويقول الكرملين إنّ كلّ الطرق لا بدّ أن تؤدّي إلى موسكو بعد الآن.

الجميع متّفق على أنّ الحرب في أوكرانيا بدّلت شكل وبنية التحالفات والتوازنات الجيوسياسية في العالم. هناك أوّلاً المخاوف المتزايدة من حرب عالمية جديدة. وهناك ثانياً إقحام الطاقة والغذاء والعقوبات والحظر كسلاح بديل لتضييق الخناق على الطرف الآخر. ثمّ جاء دور التلويح باستخدام السلاح النووي والقنبلة القذرة لحسم المواجهة عند الضرورة.

إنّ العقرب هو الحشرة التي تحمل بيضها على ظهرها، وقد يبدو الوصول إليها سهلاً من بعيد، لكن اقترب إذا ما كنت تمتلك الشجاعة!

 

عن الكاتب

د. سمير صالحة

البرفسور الدكتور سمير صالحة هو أكاديمي تركي والعميد المؤسس لكلية القانون في جامعة غازي عنتاب وأستاذ مادتي القانون الدولي العام والعلاقات الدولية في جامعة كوجالي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس