ترك برس

رغم رحيله قبل سنوات، لا يزال رئيس الوزراء التركي الأسبق، نجم الدين أربكان، الحاضر الغائب في المشهد السياسي داخل البلاد، تارة عبر تلميذه، الرئيس التركي الحالي، رجب طيب أردوغان، وتارة أخرى من خلال حزبه السعادة.

"أربكان" وهو عبقري هندسة المحركات، والحالم بنهضة تركيا، مُنع من مزاولة السياسة لكنه شقّ طريقه إلى سدّة الحكم، وفي ممارسته السياسية اتخذ من "أصبع الشهادة" شعارا لحزبه، مما دفع خصومه لنعته بـ"الحالم والواهم".

ويُعرف عن نجم الدين أربكان، أنه أستاذ أردوغان وعرّاب الإسلام السياسي في تركيا، الذي تمرّد على العلمانية المتشددة ووعد بنهضة بلاده.

ساهم أربكان في تغيير وجه تركيا المعاصر. ولقبه البعض بـ"المجاهد"، و"البروفيسور".

نجم الدين أربكان، المولود 1926 في مدينة "سينوب" على ساحل البحر الأسود، حاصل على شهادة الهندسة الميكانيكية في جامعة "إسطنبول التقنية" عام 1948، وعلى الدكتوراه من جامعة "آخن" الألمانية في هندسة المحركات عام 1956.  

عمل أثناء دراسته في ألمانيا رئيسا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات بمدينة كولونيا. وتوصل أثناء عمله هناك إلى ابتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود.  

وحين عاد إلى بلاده، تولى التدريس في كلية الهندسة في جامعة "إسطنبول التقنية"، وفي تلك الفترة أيضا عمل على تأسيس مصنع تخصص في تصنيع محركات الديزل، وبدأ إنتاجها عام 1960. 

دخوله عالم السياسة كان عبر إنشاء حزب "النظام الوطني" عام 1970، وهو أول تنظيم سياسي يحمل توجها إسلاميا تعرفه الدولة التركية الحديثة منذ زوال "الخلافة" عام 1924، والإعلان عن الدولة العلمانية. 

وأصبح رئيسا لاتحاد النقابات التجارية، ثم انتخب عضوا في مجلس النواب عن مدينة قونية، لكنه منع من المشاركة في الحكومات المتعاقبة، بسبب نشاطه "المعادي" للعلمانية، وكان تأسيس حزبه أول اختراق في مواجهة القوى العلمانية المسيطرة على الحياة السياسية في البلاد. 

لم يصمد حزب "النظام الوطني" سوى تسعة أشهر بعد أن صدر قرار قضائي بعد إنذار من قائد الجيش، فقام أربكان بتأسيس حزب "السلامة الوطني" عام 1972 الذي شارك بالانتخابات العامة وفاز بخمسين مقعدا ليشارك عام 1974 في حكومة ائتلافية مع حزب "الشعب الجمهوري" الذي أسسه كمال أتاتورك. 

وتولى أربكان منصب نائب رئيس الوزراء، وأيد رئيس الحكومة بولنت أجاويد في قرار التدخل في قبرص، واعتبرت مشاركة أربكان في الائتلاف مع أجاويد اختراقا كبيرا لتيار الإسلام السياسي، وبأنه كان بداية الاعتراف بهذا التيار وأهميته في الساحة السياسية. 

خلال وجوده في حكومة أجاويد، حاول أربكان فرض بعض قناعاته على القرار السياسي التركي، فقدم مشروع قرار للبرلمان بتحريم الماسونية في تركيا وإغلاق محافلها، وأسهم في تطوير العلاقات مع العالم العربي، وأظهر أكثر من موقف مؤيد للشعب الفلسطيني ومعاد للاحتلال الإسرائيلي، ونجح في حجب الثقة عن وزير الخارجية آنذاك خير الدين أركمان، بسبب ما اعتبر سياسته المؤيدة للاحتلال. 

ورغم خروجه من الحكومة، إلا أن أربكان قدم مشروع قانون إلى مجلس النواب عام 1980 يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع تل أبيب، وأتبع ذلك مباشرة بتنظيم مظاهرة ضخمة ضد القرار الإسرائيلي بضم مدينة القدس، الأمر الذي اعتبر استفتاء على شعبية الإسلام السياسي بزعامة أربكان. 

لكن بريق أربكان لم يستمر طويلا فقد نفذ قائد الجيش كنعان إيفرين انقلابا عسكريا أطاح بالائتلاف الحاكم، وبدأ سلسلة إجراءات كان من بينها إعادة القوة للتيار العلماني ومن ذلك تشكيل مجلس الأمن القومي وتعطيل الدستور وحل الأحزاب واعتقال الناشطين الإسلاميين إلى جانب اليساريين، وكان أربكان من بين من دخلوا السجن آنذاك. 

ولبث أربكان ثلاث سنوات في السجن خرج بعدها في إطار موجة انفتاح على الحريات في عهد حكومة تورغوت أوزال، فأسس عام 1983 "حزب الرفاه"، الذي شارك في انتخابات نفس العام، وحصل على نسبة متواضعة من الأصوات، لكنه لم ييأس حتى كانت انتخابات عام 1995 وحصل الحزب على 158 مقعدا من أصل 550 في البرلمان. 

وفي العام التالي، كان حزب أربكان يتحالف مع "حزب الطريق القويم" برئاسة تانسو تشيلر وشكل حكومة ائتلافية معها تبادل فيها رئاسة الحكومة مع تشيلر أول امرأة تتولى منصب رئيس وزراء في تاريخ تركيا. 

وحاول أربكان وهو في منصب رئيس الحكومة الانفتاح بقوة على العالم الإسلامي، فبدأ ولايته بزيارة ليبيا وإيران، وأعلن عن تشكيل مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم إلى جانب تركيا أكبر سبع دول إسلامية هي: إيران وباكستان وإندونيسيا ومصر ونيجيريا وبنغلاديش وماليزيا. 

ولم يكتف أربكان بذلك، بل نشط عبر العالم الإسلامي، وحدد موعدا لمؤتمر عالمي يضم قيادات العمل الإسلامي، وباتت تركيا تتدخل بثقلها لحل مشكلات داخلية في دول إسلامية. في موازاة ذلك حرص أربكان على عدم استفزاز الجيش، وحاول تكريس انطباع بأنه لا يريد المساس بالنظام العلماني، فوقع على الاتفاقيات المتعلقة بـ"إسرائيل" بعد تأخير لمدة 10 أيام بعد ضغوط عسكرية وصلت للتهديد بالانقلاب العسكري، ورغم ذلك لم يعهد عليه أنه زار أو طلب زيارة دولة الاحتلال. 

ولاستفزاز أربكان قدم الجيش مجموعة طلبات تنفذ على الفور تتضمن ما وصفوه بـ"مكافحة الرجعية" وتستهدف وقف كل مظاهر النشاط الإسلامي في البلاد سياسيا كان أم تعليميا أم متعلقا بالعبادات، واضطر أربكان أمام هذا الضغط إلى الاستقالة من منصبه لمنع تطور الأحداث إلى انقلاب عسكري فعلي. 

وضمن تصعيد العسكر، فقد أصدر النائب العام لدى المحكمة العليا عام 1997، قرارا بحل "حزب الرفاه" بسبب "تحوله إلى مركز للفعاليات والأنشطة المعادية للدستور ومبادئ العلمانية". 

وفي العام التالي، حظر "حزب الرفاه" وأحيل أربكان إلى القضاء بتهم مختلفة منها "انتهاك مواثيق علمانية" الدولة، ومنع من مزاولة النشاط السياسي لخمس سنوات، لكن أربكان لم يغادر الساحة السياسية فلجأ إلى المخرج التركي التقليدي ليؤسس حزبا جديدا باسم "الفضيلة" بزعامة أحد معاونيه وبدأ يديره من خلف الكواليس، لكن هذا الحزب تعرض للحظر أيضا عام 2000.

ومن جديد عاد أربكان ليؤسس بعد انتهاء مدة الحظر عام 2003 "حزب السعادة"، لكن خصومه من العلمانيين، تربصوا به ليجري اعتقاله ومحاكمته في العام ذاته بتهمة اختلاس أموال من "حزب الرفاه" المنحل، وحكم عليه بالسجن لعامين.

وفي عام 2008، صدر عفو من الرئيس التركي عبد الله غول يرفع عقوبة الحبس المنزلي لمدة سنة الصادرة ضده في تهمة تبديد مبلغ مليون دولار من ممتلكات "حزب الرفاه" التي قام أربكان بتسديدها لخزينة الدولة، رغم نفيه التهمة الموجهة إليه ودفع ببراءته. 

خرج أربكان من العمل السياسي، وربما يكون تقدم العمر أحد الأسباب، لكنه كان قادرا على مواصلة العمل السياسي إلى النهاية لولا الضغوط الشديدة والمتكررة التي تعرض لها من التيار العلماني، واتخذت أشكالا مختلفة من الانقلابات العسكرية إلى استخدام القضاء والصحافة وشق صفوف أتباعه. 

واعتزل أربكان السياسة حتى توفي عام 2011، في أحد مستشفيات أنقرة عن عمر ناهز 84 عاما.

وفيما يلي تقرير مصور لشبكة الجزيرة القطرية، حول مسيرة أربكان:

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!