مروان عبدو - خاص ترك برس

تشكل الاستجابة الإنسانية نقطة فارقة في حياة السكان في أماكن الحروب والنزاعات، وفي الحالة السورية شهدنا حرباً دامية ونزاعاً مستمراً منذ عقد من الزمن كان المدنيون أكبر المتضررين منها، حيث قتل مئات الآلاف منهم وشرد وهجر الملايين من مختلف المناطق السورية نتيجة لوحشية النظام السوري، واستقر الحال بكثير منهم في إدلب وشمال سورية أغلبهم يعيشون في مخيمات تفتقد لأدنى مقومات الحياة في منطقة تعاني من الحصار والحرب منذ سنوات، فباتوا يعتمدون في معيشتهم اعتماداً شبه كلي على المساعدات الإنسانية المقدمة من قبل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المتعاونة معها.

 بداية عام 2018 تحولت هذه المساعدات الإنسانية إلى بازار سياسي بين روسيا والغرب، حين أصبحت روسيا تهدد بمنع المساعدات عن مناطق شمال غرب سورية عبر استخدامها حق النقض في مجلس الأمن الدولي، مطالبةً بتحويل المساعدات إلى النظام السوري ليقوم بدوره بتوزيعها إلى بقية المناطق عبر خطوط التماس، الأمر الذي يعتبره السوريون غير مقبول لرفضهم الحصول على المساعدات عن طريق من قتلهم وشردهم.

سبق لروسيا أن استخدمت الفيتو من أجل تقليص عدد المعابر الحدودية المستخدمة في إيصال المساعدات الأممية عبر الحدود ليتم حصرها لاحقاً بمعبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، الأمر الذي أدى إلى تقليص كمية المساعدات المقدمة مقارنة بالأعوام السابقة، كما أصبح هذا المعبر هو شريان الحياة لإنقاذ حياة السكان في شمال غرب سورية، ومع اقتراب انتهاء المدة المحددة للقرار 2642 مع نهاية العام الحالي بدأت روسيا تلوح بعرقلة استصدار قرار جديد لتمديد الآلية.

وفي حال نجاحها بذلك؛ سنكون أمام كارثة إنسانية كبرى ومجاعة حقيقية في شمال غرب سورية، قد يصبح الجميع بسببها مقبلين على مشاهد الموت وتفاقم الأمراض والعوز في أوساط المدنيين الذين لا يملكون وسيلة لتأمين الغذاء والدواء ومياه الشرب إلا عبر برامج الدعم الإنساني من قبل المنظمات المعتمدة من قبل الأمم المتحدة، فمن المؤكد أن انتهاء العمل بالآلية عبر معبر باب الهوى سيؤدي إلى توقف الاستجابة الإنسانية توقفاً شبه كلي في جميع مجالات العمل الإنساني كالقطاع الصحي حيث ستتوقف المشافي والمنشآت الطبية عن العمل ما يؤدي لانتشار أمراض وأوبئة خطيرة بين السكان ويهدد حياتهم بشكل مخيف خصيصاً مع تفشي أوبئة (كوفيد 19 ومرض الكوليرا).

أضف إلى ذلك قطاع التعليم؛ حيث سيحرم مئات الآلاف من الأطفال من الحصول على أدنى حقوقهم بالتعلم، مما سينشئ جيلاً كاملاً يعاني من الجهل وانتشار الأمية المرعبة. وأخيراً وليس آخراً، لن يستطيع ملايين السوريين القاطنين في المخيمات الحصول على المياه النظيفة الصالحة للشرب فهم يعتمدون على وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بشكل رئيسي للحصول على المياه، وغير ذلك الكثير الكثير من قطاعات العمل الإنساني التي ستتأثر بعدم تجديد القرار.

يعاني سكان شمال غرب سورية الويلات والآهات ويفتقرون إلى مقومات الحياة الكريمة نتيجة ضعف الاستجابة الإنسانية وقلة المشاريع الإنسانية المقدمة لهم على الرغم من وجود وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية؛ فما الذي سيحل بهم إن توقفت المساعدات الأممية بشكل كامل؟ خاصةً أن المنطقة تعاني من البطالة والفقر وانعدام فرص العمل.

إن من واجب منظمات المجتمع المدني التي تتكلم بلسان المظلومين والمهجرين والمشردين أن تقف صفاً واحداً، وتسمع صوتها للدول الكبرى في مجلس الأمن وخارجه وتقف في وجه روسيا التي تطالب بإغلاق معبر باب الهوى أمام المساعدات الإنسانية، موضحة أن المنطقة تضم واحدة من الفئات الأكثر هشاشة على مستوى العالم وأن من حق سكانها أن يتمتعوا بحقوق الحياة والعيش بكرامة بعيداً عن التجاذبات السياسية بين الدول، وأن العمل الإنساني وتقديم المساعدات للمحتاجين والمتضررين أسمى من كل الخلافات، وأن القانون الدولي لحقوق الإنسان يحتم على الدول المحافَظة على التزاماتها وواجباتها التي تتصل باحترام وحماية وتطبيق حقوق الإنسان، وأن الدول مطالبة باتخاذ إجراءات إيجابية لتيسير التمتع بحقوق الإنسان الأساسية لا أن تكون معرقلة لها.

عن الكاتب

مروان عبدو

مسؤول ميداني في برنامج الحماية في المنتدى السوري


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس