محمد قدو الأفندي - خاص ترك برس

قد يتساءل البعض عن سبب الجهد المتميز للدور التركي في عملية إعمار الموصل دون باقي الدول التي صرحت في كل مناسبة أنها لن تتوانى في عمليات إعمار الموصل بعد تحريرها من براثن عصابات داعش الإجرامية التي احتلت المدينة وأباحت لنفسها بهدم وتدمير المراكز الحيوية والخدمية والاستراتيجية في المحافظة.

هذا التساؤل المشروع يمكن الإجابة عنه بكل بساطة ودون جهد وهو لسان حال المواطن الموصلي الذي يعي تمامًا علاقة تركيا بالجارة العراق بصورة عامة وعلاقتها بولاية الموصل بصورة خاصة، وأنا لا أتكلم عن التاريخ المشرف بين مدينة الموصل وبين العراق من جهة وبين تركيا من جهة أخرى – ولكن أتحدث عن علاقة الموصل وعلاقة العراق مع تركيا من بعد عام 2003.

في البداية يجب أن لا ننسى أن مدينة الموصل تحديدا عقدت اتفاقية توأمة مع مدينة غازي عنتاب بعد عام 2003 وكانت تلك أولى محطات التعاون الرسمي بين ولايتين مهمتين في العراق وتركيا، لهما تاريخ عائلي مشترك منذ القدم شأنها شأن علاقاتها العائلية والأسرية مع مدن أخرى مثل ماردين وشانلي أورفا وغيرها من المدن التي تنتشر فيها عشائر وعوائل وأقرباء مشتركة وهذه النقطة الأولى المهمة.

أما النقطة الجوهرية والرئيسية التالية فالكل يعرف بأن ولاية الموصل تعرضت إلى هجمة بربرية من قبل عصابات داعش الإجرامية وهي لم تكن على موعد مع الدمار في طول نشأتها بل أن تلك الاعتداءات كانت متعمدة في سبيل القضاء على مركز شعاع العراق ومستقبله، لأن الموصل وكما هو معروف ولادة للعلماء بكل عناوينهم  المهندسين بكل الحقول والأطباء بكل اختصاصاتهم والباقي من الأساتذة فمن الطبيعي ومن الممكن جدا وصفها بأنها المدينة الدينمو التي  تشغل وتدفع بعجلة ديمومة الحياة في كل أرجاء التراب العراقي، وأن تعمد استهدافها كان لغرض وقف عجلة التقدم العراقي من الدوران.

هاتان النقطتان كانتا منطلقا من خلاله وبسببه قامت الحكومة التركية بأخذ زمام المبادرة في عملية إعادة الإعمار لتلك الولاية التي تستطيع تلقي مبادرة المساعدة بكل بساطة ويسر لما تمتلكها من مؤهلات فنية وكادر علمي على درجة عالية من الكفاءة في استغلال كل الفرص الأخوية والمساعدات القيمة من الجارة تركيا في عملية إعادة بناء المدينة وقصباتها، وبمعنى أدق أن المبادرة التركية قد وظفت أحسن توظيف مكانا وزمانا.

الأتراك معروفون بامتلاكهم شركات ومؤسسات في مختلف الصنوف الهندسية والعلمية ولها سمعة متميزة في كل دول العالم في إنشاء وتشغيل مختلف مناحي النشاط الإنساني، وهذا التميز في عمليات البناء والإنشاء في مختلف الدول ناشئ في الأصل من رغبة الحكومة التركية في تقديم يد العون والمساعدة للشعوب التي عانت من استغلال الشركات العالمية سابقا.

في الموصل تقوم ثلاثة شركات كبرى في عملية النهوض بالواقع الخدمي والصحي للمدينة، فعلى سبيل المثال فإن بناء الجسر المحاذي للجسر الحديدي القديم والذي أنشئ منذ أربعينيات القرن الماضي والذي يربط طرفي مركز المدينة عبر نهر دجلة، يعتبر من أهم المشاريع الحيوية في الموصل، وقد أهمل بناء الجسر المحاذي لعدة عقود بسبب عدم توفر الإمكانات والكفاءة في إنجازه، وإن إنجاز عملية بناء هذا الجسر سيؤدي إلى إحياء الجانب الأيمن من المدينة والتي هجرها معظم روادها التجار وأهل المهن بعد احتلال المدينة من قبل داعش الإرهابي.

ومسألة إعادة تأهيل مطار الموصل وتشغيله كانت هي الأخرى معظلة عانت منها المدينة بعد التحرير فأهل المدينة تواقون لوجود مطار في مدينتهم حتى تكون آلية مهمة للتنقل بين المدن العراقية وكذلك لمواكبة النشاط الصناعي والصحي مع دول العالم عبر هذه الواسطة المميزة، والتي تأخر إنشاؤها وإعمارها بشتى الأسباب من قبل أطراف أخرى داخلية وخارجية، كما أن بعض الشركات التي أخذت على عاتقها إعمار المطار قد تلكأت وتراجعت عن قرارها.

في هذا الوقت بالذات وبوجود جهود خيرة من قبل القائمين على شؤون الموصل وعلى رأسهم المحافظ أصبح لزاما أخلاقيا وبجود علاقات جيرة تاريخية وروابط قوية بين العراق وتركيا بصورة عامة ومنها محافظة نينوى المنكوبة، أقول أصبح الموقف التركي من مسألة الإعمار في المحافظة ذات بعد أخوي وحسن جيرة ومد أيادي الخير ركنا أساسيا في العلاقات بين المدينة والجارة تركيا مثلما كانت تركيا سباقة لتقديم كل أشكال الدعم للبلدان الشقيقة والصديقة وحتى التي لا تحمل تلك الصفات لأنها  كانت ذات طابع إنساني في طريقة تعاملها.

وكما أسلفنا ففي الموصل قامت الشركات التركية بإنشاء جسر يربط بين ضفتي المدينة القديمة، وهي ستكون ركيزة أساسية في استرجاع الجانب الأيمن لنشاطاتها التجارية الصناعية.

كما ساهمت الشركات التركية بإنشاء مستشفى للغسل الكلوي وأمراض الكلية  في الساحل الأيسر من المدينة والتي تسهل بشكل أساسي معالجة المرضى المصابين بأمراض الكلى.

والأهم من كل هذا وذاك هو تبني الشركات التركية إعادة بناء منشأة مطار الموصل العريقة إضافة إلى القيام بتشغيلها بصورة كاملة.

إن تشغيل المطار سيكون مهما جدا وكما أعلن محافظ نينوى نجم الجبوري حيث سيكون بوابة الموصل للعالم، حيث أن المحافظة الواقعة شمالي العراق، أبرمت عقدا مع شركتين تركيتين لتأهيل مطار الموصل الدولي.

جاء ذلك في تصريح للصحفيين، حيث أشار إلى أن شركتي "تاف للمطارات القابضة"، و"إنشاءات 77" التركيين اللتين لهما تجارب دولية ستقومان بتأهيل مطار الموصل الدولي.

وأضاف الجبوري أن مطار الموصل الذي كان يستخدم في السابق للرحلات الداخلية، تم تحويله إلى مطار دولي، وأنهم وقعوا عقدا مع الشركتين المذكورتين لتأهيله.

وكما هو معلوم فإن الصناعة في الموصل توازي تماما النشاط الاقتصادي وهي مدينة معروفة بقدرتها على دعم المدينة وما حولها من المدن وربما لعموم العراق ورفد كافة المدن في منتوجاتها الصناعية فهي تمتلك أيادي فنية متدربة مثلما كانت تمتلك مصانع مزدهرة سابقا، وأيضا لحاجة المدينة إلى الكثير من المصانع وحتى المعامل والورش الصناعية فإن تركيا وبالتشاور مع الحكومة المحلية تتبنى إنشاء مدينتين صناعيتين ضخمتين في الموصل الأولى في قضاء تلعفر والثانية في منطقة السحاجي لتكون المدينة رائدة في تأسيس المدن الصناعية.

إن إنشاء المدينتين الصناعيتين يعني تشغيل الكثير من الأيدي العاملة الفنية، وستكون تلك المشاريع فاتحة خير للأيدي العاملة في الموصل، وربما ستنهي وإلى حد كبير مشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب في المحافظة.

إن المدينة المنكوبة بسبب الاحتلال والمهدمة تنتظر الكثير من الجهود الخيرة في استرجاع معالمها الحضارية وبنيتها التحتية المدمرة الخدمية العلاجية، وإن الجهود التي تصب في هذا الجانب سواء أكانت مواقف أخوية من الدول الجوار أو من جهود أبنائها الطيبين البررة ستسجل في سجلات بأحرف من نور وسيشهد التاريخ الدور التركي المخلص والأخوي في وقفتها الرائدة والأخوية مع أبناء مدينة منكوبة كانت أيقونة العراق الحضارية.

عن الكاتب

محمد قدو الأفندي

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس