ياسين أقطاي - الجزيرة

أشارت النتائج الأولية للهجوم الإرهابي -الذي أسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 81 شخصًا، ووقع في شارع الاستقلال في تركيا التي كانت قطعت مسافة كبيرة في مكافحة الإرهاب في السنوات الأخيرة- إلى أن حزب العمال الكردستاني هو الجاني؛ فبعد 10 ساعات فقط من الحادث تم بالفعل القبض على المنفذة التي ظهرت في تسجيلات الحادث، كما تم القبض على نحو 50 شخصا يعتقد أنهم ساعدوها وحرضوها على تنفيذ الهجوم.

من خلال الاعترافات الأولى لجميع أولئك الذين تم اعتقالهم؛ تبدو صلاتهم بحزب العمال الكردستاني واضحة. وفي الواقع، اعترفت المتهمة إلهام البشير بأنها تم تدريبها لتكون عميلة من قبل حزب العمال الكردستاني-حزب الاتحاد الديمقراطي، وأنها تلقت التعليمات في عين العرب (كوباني)؛ أي من المكان الذي يسيطر عليه حزب العمال الكردستاني.

في الحقيقة؛ لا يحتاج حزب العمال الكردستاني إلى سبب ما لاتخاذ إجراء ضد تركيا، فقد لجأ الحزب إلى مثل هذه الوسائل لجعل صوته مسموعًا، فحتى 6 سنوات مضت -منذ آخر عملية له- كان ينفذ تفجيرات كبيرة في المدن ويتسبب في أضرار وخسائر كبيرة لتركيا، خاصة في المدن والمراكز السياحية.

وفي السنوات الست الماضية، حققت تركيا إنجازات كبيرة في مكافحة الإرهاب كما لم يحدث من قبل، فقد انخفض عدد مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين كان يبلغ عددهم عشرات الآلاف في الجبال الجنوبية الشرقية إلى أقل من 150 مسلحًا بسبب الجهود الكبيرة للاستخبارات المدعومة بالتقنيات الحديثة لدى حرس الحدود والجيش، وبالإضافة إلى هذه الجهود الداخلية؛ فقد استهدفت العمليات العسكرية التركية المنظمة داخل سوريا وحالت دون تقديم الدعم البشري أو اللوجيستي من الخارج.

وتم منع المئات من الهجمات لوصول معلومات استخباراتية عن أعمال المنظمة -التي تريد تنفيذها في المدن الكبرى من وقت لآخر- في الوقت المناسب؛ ونتيجة لهذه الجهود الفعالة لم تتمكن المنظمة الإرهابية من تنفيذ أي عملية لسنوات، ووصلت تقريبا إلى نقطة النهاية في تركيا. ومع ذلك، فقد كانت مشاعر الكراهية والغضب والرغبة في الانتقام تتزايد عند حزب العمال الكردستاني بسبب الخسائر الكبيرة التي تحدث له بعد كل عملية فاشلة يقوم بها، ولهذا فإنه يُتوقَّع حدوث هجوم انتقامي من المسلحين المتبقين في أي لحظة، وكانت جميع أجهزة المخابرات تتخذ إجراءات وفقا لذلك.

لا يوجد ما يستدعي القول إن حزب العمال الكردستاني لم ينفذ هذا الهجوم؛ ففي نوفمبر/تشرين الثاني الجاري -الذي يعد شهر ذكرى تأسيس الحزب- أعلن زعيمه دوران كالكان عبر مقطع فيديو له على قناة حزب العمال الكردستاني قبل وقت قصير من الهجوم أنه سيتم تنظيم مظاهرات واحتفالات وأعمال رئيسية لإحياء ذكرى تأسيس الحزب في هذا الشهر.

وعلى الرغم من كل ذلك، لم يعلن حزب العمال الكردستاني مسؤوليته عن هذا الهجوم، وقال إنه لا علاقة له به، وكان هذا بمثابة حملة دعائية منفصلة حول الهجوم من وجهة نظر حزب العمال الكردستاني.

كما قلنا، تم تنفيذ هذا الإجراء من قبل حزب العمال الكردستاني، ومع ذلك فإن فرصة أن يخدم مثل هذا العمل الأهداف السياسية لحزب العمال الكردستاني ضئيلة جدا، هذا إذا افترضنا أن حزب العمال الكردستاني هو في الحقيقة منظمة تتصرف بشكل إستراتيجي من أجل تحقيق أهدافها الأيديولوجية الخاصة؛ حيث إن قتل المدنيين والأطفال لا يعني فقط كراهية الشعب التركي لهم، بل أيضًا كراهية العالم بأسره؛ لأنه حتى الأكراد المخلصين -وهم جمهورهم المستهدف- لديهم موقف من أفعالهم المؤذية التي تضر بالناس والوطن.

من المستحيل لمثل هذا الهجوم أن يولّد التعاطف مع حزب العمال الكردستاني؛ لذلك من المستحيل أيضًا أن يستفيد حزب الشعوب الديمقراطي الذي يقدم الدعم السياسي لحزب العمال الكردستاني. لكن عندما ننظر إلى تاريخ تصرفات حزب العمال الكردستاني حتى الآن سنرى أنه نادرًا ما يتخذ إجراءات وفقًا لأهدافه الإستراتيجية، وأنه يقوم غالبًا بأعمال وهجمات نيابة عن قوى أخرى وبطريقة تتوافق مع أغراض تلك القوى.

كان من المعروف بالنسبة لتركيا أن هذه الهجمات تحمل رسالة، خاصة إذا جاءت الانتخابات أو قبل بعض القرارات والسياسات الوطنية الحاسمة، ولهذا قال وزير الداخلية التركي سليمان صويلو بعد الهجوم مباشرة: "لقد تلقينا الرسالة التي كان من المفترض أن تعطى لنا بهذا الهجوم". فبهذا التصريح كان الوزير يقول إنه لم ير الشخص الذي قام بالعمل؛ بل القوة الحقيقية وراءه، وإنه تلقى الرسالة التي يريد إرسالها.

من الواضح أنه ألقى باللوم على الولايات المتحدة لدعمها المعلن لحزب الاتحاد الديمقراطي. وفي الواقع؛ أظهرت أميركا أنها لا تخشى أن تدعم علنًا أعداء تركيا بالمساعدات المفرطة كالأسلحة التي قدمتها لحزب الاتحاد الديمقراطي، التي من المفترض أنها تحالفت معه في الحرب ضد تنظيم الدولة، ومن المستحيل عدم الحديث عن مسؤولية الولايات المتحدة عن مثل هذا الهجوم الذي نفذته منظمة تدعمها الولايات المتحدة نفسها.

بطبيعة الحال؛ فإن الأسئلة الأكثر أهمية هي: لماذا نفذ حزب العمال الكردستاني هذا الهجوم؟ ومن الذي قام حزب العمال الكردستاني بالهجوم نيابة عنه؟ أو من الذي -ربما- طلب من حزب العمال الكردستاني تنفيذ مثل هذا الهجوم؟

تستعد تركيا للانتخابات حاليًا، ولهذا قد يكون هناك توقع بوقوع مثل هذه الهجمات على أمل أنها ستزعزع الاستقرار، وستسبب استياءً عامًّا خطيرًا من الحكومة، ومثل هذه الهجمات قبل الانتخابات هي في الواقع واحدة من روتين التاريخ السياسي التركي. وهذه المرة، وصلت الأمور إلى حد الرغبة في الإطاحة بأردوغان -الذي يحكم تركيا منذ 20 عامًا- لأن المرحلة التي أصبحت فيها تركيا التي يحكمها أردوغان تتصرف بشكل مستقل على نحو أكبر مما تريده الولايات المتحدة وأوروبا.

عندما تدخل تركيا في محاولة لكي تصبح مركزًا لتخزين الغاز في إطار العلاقات مع روسيا؛ فمن المفهوم أن تواجه الولايات المتحدة مشاريع الغاز. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكننا تجاهل أن انزعاجًا خطيرًا قد تراكم في الكتلة الغربية ضد حقيقة أن تركيا تتبع سياساتها المستقلة في العلاقات مع أذربيجان وليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط وروسيا واليونان؛ وبسبب هذا فإن تركيا بهذا الشكل تعد خارج نطاق سيطرة تلك الكتلة، وتبدو الرغبة القوية في اتخاذ تدابير ضد تركيا آخذة في الارتفاع تدريجيا في الغرب، ولهذا فالإجراء الأخف وزنا والأكثر خلوا من المخاطر هو جعل أردوغان يخسر الانتخابات.

إن حقيقة أن المنفذين الذين استخدموا في الحادث سوريون قد تؤدي أيضا إلى زيادة الاضطرابات التي كانت موجودة في المجتمع لبعض الوقت ضد سياسات أردوغان بخصوص اللاجئين السوريين التي تستخدمها وتؤججها أحزاب المعارضة باستمرار إلى أقصى حد. ومن الشكل الكلي لهذا الهجوم، لا يمكن لأحد أن يقول إن مثل هذه النتيجة لم تكن مستهدفة، فليس من قبيل المصادفة أن حزب العمال الكردستاني اختار عربية سورية لتنفيذ مثل هذا العمل بشكل خاص بدلًا من المسلحين الأكراد، ولهذا فإن ملف تعريف منفذة الهجوم يهدف إلى خلق مثل هذا السخط بين الشعب التركي.

ومع ذلك، وبغض النظر عن الوصول إلى الأهداف؛ فإن تركيا أكثر ميلًا لتمزيق الرسائل التي يتم تسليمها من خلال مثل هذه الهجمات من دون قراءتها من الأساس.

عن الكاتب

ياسين أقطاي

نائب في البرلمان التركي ونائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ومسؤول الشؤون الخارجية في الحزب


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس