محمود علوش - الجزيرة

توعّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشنّ عملية عسكرية برية جديدة ضد وحدات حماية الشعب الكردية في شمالي سوريا، وسبق أن أطلق أردوغان تهديدات مماثلة في الأشهر الماضية، لكنّه لم يقدم على تنفيذ العملية لأسباب مختلفة من بينها المعارضة الروسية والأميركية لها.

لكن، لا ينبغي النظر الآن إلى تهديدات أردوغان على أنها مناورة جديدة أو أنّها تنمّ عن عجز تركي في تصعيد المواجهة مع الحالة الكردية المسلحة في شمالي سوريا والعراق. علاوة على هواجسها الأمنية المشروعة إزاء الوحدات الكردية وارتباطها الوثيق بحزب العمال الكردستاني، لدى تركيا الكثير من الأسباب المقنعة التي تدفعها إلى إعادة طرح خيار العملية العسكرية البرية.

قبل أي شيء، لم تعد أنقرة تثق بالوعود الأميركية والروسية لها في هذه المسألة، لأنّ موسكو وواشنطن سبق أن وعدتاها في عام 2019 بالعمل على إبعاد الوحدات الكردية عن المناطق الحدودية ونزعها سلاحها، لكن ذلك لم يحصل. كما أنه بالاستناد إلى تجربة عملية نبع السلام والعمليات التركية السابقة، فإن تركيا تُدرك أن التحرّك العسكري على الأرض وحده الكفيل بدفع الأميركيين والروس إلى النظر بجدية لاحتياجاتها الأمنية. باختصار، فإن العملية البرية التي يتحدّث عنها أردوغان اليوم ليست خيارا أو مناورة، بل حاجة لتركيا لفرض احتياجاتها الأمنية عندما تعجز عن فعل ذلك بالوسائل الأخرى.

على مدى السنوات الماضية، ظلت تركيا تطالب روسيا والغرب بالنظر بجدية وصدق إلى هواجسها الأمنية إزاء وحدات حماية الشعب الكردية. عادة ما يلجأ المسؤولون الروس والأميركيون إلى الصمت أو في أحسن الأحوال الإقرار بحق أنقرة في مكافحة الإرهاب لتجنّب الحرج أمام نظرائهم الأتراك، لكنّهم يتسابقون في إطلاق التحذيرات من عواقب تصعيد التوتر عندما تُقرر تركيا التحرّك لمواجهة المخاطر الحقيقية التي تُهدد حدودها الجنوبية.

واشنطن تقدم دعما عسكريا وسياسيا كبيرين للوحدات الكردية بذريعة أنها شاركت بفعالية في القتال ضد "داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية)، وبأن استمرار هذا الدعم ضروري لمواجهة مخاطر عودة التنظيم، لكنّها بهذا الدعم لم تساهم فحسب في تعريض أمن دولة عضو في حلف الناتو للخطر، بل عرّضت علاقتها مع شريك إستراتيجي للخطر. التعامل الأميركي في هذه القضية مُزعج على وجه الخصوص. لا يخفى على عاقل الارتباط العضوي للوحدات الكردية بحزب العمال الكردستاني الذي تضعه واشنطن والعواصم الغربية الأخرى على قائمة الإرهاب.

تفضيل الولايات المتحدة للعلاقة مع الوحدات الكردية على حساب شراكتها مع تركيا، يعكس جانبين مهمين: أولاً، لا تزال النزعة المتعاطفة مع مشروع الحكم الذاتي الكردي في دوائر صنع القرار في واشنطن تتفوق على أولوية ترميم العلاقة مع تركيا، وهو ما يعكس فشلا إستراتيجيا في تقدير عواقب هذه السياسية على علاقة واشنطن بأنقرة، وعلى المصالح الأميركية الأساسية البعيدة المدى في سوريا. أدى قصر النظر هذا إلى جعل تركيا تتعامل مع العلاقة الأميركية بالوحدات الكردية على أنها تهديد مباشر لأمنها القومي، وساهم في تشكيل هوية جيوسياسية جديدة لتركيا بعيدة بشكل متزايد عن هويتها الأطلسية.

أما الجانب الثاني، فيتعلق بالفشل الأميركي في صياغة سياسية جديدة في سوريا تتلاءم مع التحولات الداخلية والدولية التي طرأت على الصراع في السنوات الأخيرة. لم تؤدِّ السياسة الأميركية إلى دفع أنقرة إلى تعميق شراكتها مع موسكو في سوريا فحسب، بل تعمل حالياً على جعل تركيا تعيد تموضعها في سوريا بشكل يزيد من ضعف المصالح الأميركية والغربية فيها. كنتيجة لهواجسها المتزايدة من مواصلة الولايات المتحدة تغذية المشروع الانفصالي الكردي، تحولت أنقرة من السعي لإسقاط النظام في دمشق إلى الانفتاح عليه من أجل التعاون معه في مكافحة التهديدات الانفصالية. لقد ساعد هذا التحول روسيا على وجه الخصوص في تكريس نتائج تدخلها العسكري في سوريا، والعمل مع أنقرة على إضعاف الدور الغربي.

روسيا كانت أكثر براعة في توظيف التناقضات بين تركيا وشركائها الغربيين لاستمالة أنقرة بشكل أكبر لدعم إستراتيجيها في سوريا. مع ذلك، لا يزال الروس عاجزون عن فهم كامل للهواجس الأمنية التركية إزاء الوحدات الكردية، ويتعاملون مع هذه القضية كورقة مساومة مع الأتراك في سوريا وقضايا أخرى. من الإنصاف القول إن روسيا كانت أكثر تفهما لاحتياجات تركيا في سوريا مقارنة بالغرب، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين أدرك الأهمية الإستراتيجية لموسكو في تعزيز الشقاق بين تركيا والمنظومة الغربية.

لكن البراعة الروسية أثبتت أنها مُقيدة بحدود قصر النظر الإستراتيجي أيضا في مقاربة الحالة الكردية المسلحة. تعمل موسكو على إمساك العصا في المنتصف بين أنقرة والوحدات الكردية بشكل غير واقعي، فهي تتطلع من جهة إلى دفع الفصيل الكردي للتخلي عن علاقته بالولايات المتحدة والعودة لفلك دمشق، وهي مقاربة تتناقض مع طبيعة العلاقة العميقة بين الوحدات الكردية والولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، تُريد الحد من توسيع تركيا للمناطق التي تُسيطر عليها في الشمال السوري. إذا كانت العلاقة بين واشنطن والوحدات الكردية شكّلت اختبارًا سيئاً للغاية للتحالف التاريخي بين أنقرة وواشنطن، فإن الإمساك الروسي العصا من المنتصف يُشكل أيضاً اختباراً سيئاً للشراكة مع تركيا في سوريا.

على الرغم من أن تركيا استطاعت بفعل تدخلها العسكري في سوريا منذ عام 2016 إنشاء مناطق نفوذ واسعة خاضعة لسيطرتها، وحدّت من قدرة النظام وحلفائه في استرجاع السيطرة على هذه المناطق حتى الآن، فإنها عملت على ضمان عدم تقسيم سوريا، وقاتلت المشروع الانفصالي الكردي ليس نيابة عن مصالحها فحسب، بل عن دمشق التي لم يكن بمقدورها مع حلفائها تحجيم الدور الأميركي والغربي في سوريا لولا الانخراط الأميركي. لم تُجبر الولايات المتحدة على الإبقاء فقط على نحو ألف جندي من قواتها في شمال شرقي سوريا لولا عملية نبع السلام التي أطلقتها تركيا في عام 2019، ودفعت الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى الإقرار بأن الوجود العسكري الأميركي في سوريا بات عبئاً على الولايات المتحدة.

إذا كان من متضرر أكبر من المشروع الانفصالي الكردي في سوريا فهو تركيا، وليس روسيا أو الولايات المتحدة. لم يؤدِّ هذا المشروع إلى زيادة المخاطر على الحدود الجنوبية التركية فحسب، بل أدى بشكل مباشر إلى انهيار عملية السلام التاريخية بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني. كانت هذه العملية واعدة في إنهاء صراع استمر 4 عقود وأدى بحياة 40 ألف مدني تركي. لكنّ السياسة الأميركية القصيرة النظر في سوريا ساهمت في تدميرها.

عندما تبرز معادلة الأمن، فلا مجال للمساومة السياسية. هذا ما ينبغي على روسيا والولايات المتحدة إدراكه عند النظر إلى التحركات العسكرية التركية في شمال سوريا. لم يعد للولايات المتحدة ما يُمكن أن تكسبه من علاقة مع الوحدات الكردية أضرّت كثيراً بتحالفها مع تركيا، وجعلت واشنطن مهمشة في معادلة الصراع مع روسيا وإيران في سوريا، لكنّ لديها المزيد لتخسره في مواصلة هذا النهج. كذلك الحال بالنسبة لموسكو.

لم تعد روسيا قادرة على تحقيق المزيد من المكاسب في سياسة مسك العصا من المنتصف، لكن لديها الكثير لتخسره في شراكتها الإستراتيجية مع تركيا، والتي تتجاوز الجغرافيا السورية وتشتد الحاجة الروسية لتعميقها اليوم أكثر من أي وقت مضى. إن الرغبة التركية في إخراج الوحدات الكردية من مناطق تل رفعت وعين العرب كوباني ومنبج ليست خيارا، بل حاجة لها ولوحدة الأراضي السورية. أكدت أنقرة مرارا أنها لا تطمع بأراضي دول الجوار، وبأن وجودها العسكري في سوريا تفرضه ظروف الأمن قبل أي شيء آخر. على كل من موسكو وواشنطن النظر إلى العملية البرية التركية المحتملة من منظور هاجس الأمن المشروع، والتخلي عن استخدام المسألة الكردية كورقة ضغط على تركيا.

طالما أن الحرب ليست غاية بحد ذاتها، فإن أردوغان لا يسعى لإغلاق الباب أمام فرص التفاوض مع الفاعلين المؤثرين في مسألة الوحدات الكردية، لتجنب تصعيد عسكري أكبر. من المعلوم أن الأهداف العريضة لتركيا هي إنشاء منطقة عازلة خالية من مسلحي الوحدات الكردية بعمق 30 كيلومترا في الجانب السوري من الحدود، لكنّ الحديث التركي يقتصر حالياً على مناطق تل رفعت وعين العرب كوباني ومنبج كأهداف رئيسية للعملية المحتملة. عزّزت المحادثة الهاتفية التي أجراها وزير الدفاع التركي مع نظيره الروسي الخميس الماضي الاعتقاد بأن تركيا لا تزال تفضل تسوية مع موسكو تؤدي إلى إخراج الوحدات الكردية من هذه المناطق، دون الاضطرار لشن عملية برية أخرى.

رغم أن روسيا سمحت لتركيا مؤخرا باستخدام المجال الجوي الذي تُسيطر عليه لضرب أهداف للوحدات الكردية، فإنها لا تزال تبدي معارضة واضحة لأي عملية برية تركية. لتجنب الخيارات الأسوأ، سيكون بمقدور موسكو طرح حل وسط على أنقرة من خلال إعادة تعويم تفاهمات سوتشي لعام 2019، بما يحول دون تدخل بري تركي آخر. حقيقة أن تركيا باتت تُقر صراحة بوجود النظام السوري كطرف رئيسي في المعادلة، تُحفّز فرص إبرام تسوية جديدة.

عن الكاتب

محمود علوش

صحفي لبناني


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس