د. وائل مرزا - خاص ترك برس

السياسة سوقٌ في آخر المطاف. فيها المُضارِب وفيها المُستثمِر.

المضارب يرقبُ تقلبات السوق ليضرب ضربته، ويقطف الثمرة سريعاً.

والمستثمر يفكر على المدى الطويل. يدرس التاريخ والحاضر، ويحاول استقراء المستقبل، فيحدد أهدافه، ويضع رصيده في البضاعة الرابحة، والأسهم الثمينة، ثم يُوطِّنُ نفسه على المراقبة والانتظار.

ومن النادر أن يكون في السوق مُتقِنٌ للصَّنعتين، المضاربة والاستثمار. فكل صنعة تحتاج لمواصفات مختلفة في صاحبها، وجُهداً متبايناً لحدٍ كبير.

لكن الرئيس التركي أردوغان يبدو واحداً من هؤلاء.

قرأ الرجل التاريخ جيداً. وخاصةً تاريخ بني عثمان.

ورأى في تاريخهم الكثير: كيف انتقلوا من الخلافة إلى جمهورية أتاتورك، فعاشوا حلاوة الانفتاح، لكنهم، شيئاً فشيئاً، ذاقوا طعم الغربة في الهوية. وكيف فتح العسكر أمامهم أبواب العالم، وأغلقوا نوافذ التاريخ.

وربما أبصرَ كيف بقيت للتاريخ، رغم هذا، لعبتهُ الخاصة، ومعها، مَكْرُهُ "الهيغلي": فكأن "العَلمَنة" القسرية، لفترة، كانت مدخل عودة تركيا إلى ذلك التاريخ. ولولاها، لكان الاحتمالُ قوياً أن يكون "إسلاميو" تركيا أقربَ للنموذج العربي (الإسلامي) البائس.

ولهذا. قد يكون تمسُّكهُ بـ "العلمانية" أكبر وأقوى مما يعتقد كثيرون.

أدرك أردوغان، مع رفاقه الشباب من تلاميذ أربكان، أن شيخهم لايزال محكوماً بفكر الماضي وأساليبه، فانقلبوا عليه.

أيقنَ أن الشعب لايتطلع لمن يُشبعُهُ بالشعارات، وإنما ينتظر من يحل له مشكلات البطالة والسكن والمواصلات والتلوث وانقطاع الماء والكهرباء، والفساد والإهمال الحكومي للمواطن، وتفشي مشاعر الكسل وخيانة الأمانة واللامسؤولية وفقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم.

من هنا، قال عند الإعلان عن إنشاء حزب "العدالة والتنمية": "نحن لانحتاج في تركيا لمزيد من المشايخ أو علماء الدين، وإنما نحتاج لرجال سياسة ماهرين وشرفاء".

ومنذ تلك اللحظة، في 14 آب / أغسطس سنة 2001، قرر أردوغان أن يكون استثماره الأول، والأكبر، والأهم، هو تركيا الحديثة القوية، تحت زعامته.

حددَ الرجل طبيعة وحجم استثماره، الرئيس والحقيقي. وقرر أن تتمحور حولهُ كل حساباته، ورهاناته، ومُضارباته.

والحقيقة أن "لحظة أردوغان" كانت تاريخيةً، بكل المقاييس.

فبعد ذلك التاريخ بأقل من شهرٍ واحد، جاء سبتمبر بطائراته وأبراجه، وتغير العالم إلى الأبد.

أدرك الغرب أنه لابد من التعامل مع "إسلامٍ" ما في هذا العالم. وحين يكون الخيار بين الإسلام، بنموذجه التركي الجديد، وبين إسلامٍ عنيف ومنغلقٍ ومعادٍ ومحارب، يبدو الاختيار منطقياً. فجاء الترحيبُ بالتجربة التركية من هنا وهناك، وضاربَ أردوغان على هذه الورقة الاستراتيجية، محلياً وإقليمياً وعالمياً، بشكلٍ أتاح له فرصة الحركة الحرة لقرابة عقدٍ ونيف.

وقبلَ ذلك، رأى المثقفون وأنصار الديمقراطية الأتراك، العلمانيون منهم وغيرهم، أن نظامهم السياسي بات مهزلةً ستودي بالناس والبلد، وكانوا قد ملّوا من التخويف بـ "بُعبع الإسلاميين". ولاح في أفق تركيا ماقد يُصبح "بديلاً" عن النظام المهترئ، و"نموذجٌ" يبدو مختلفاً، مُفعماً بالأمل، والشباب والمستقبل. فضاربَ أردوغان على تلك المشاعر، واستعمل ورقة إنجازاته السياسية والاقتصادية، ليكسب غالبية الأتراك إلى صفه.

وضاربَ معها على عملية الانضمام إلى البيت الأوروبي، بضع سنوات، ليُرسِّخَ سيطرة المدنيين في الحياة السياسية، ومعها سيطرتهُ، ويسحبَ من العسكر، تدريجياً، كل أوراقهم، وإلى الأبد.

وضعَ أردوغان الرصيد الكبير من كل تلك المضاربات في استثماره الأول والأهم. فبدأت عوائده بالوضوح محلياً بسرعةٍ بهرت العالم، قبل الأتراك أنفسهم.

ضاربَ على سياسة "تصفير المشاكل"، ليجتاح بشركاته وأفكاره ونفوذه المنطقة العربية، ونجح في ذلك لفترةٍ من الزمان.

لكن ثورات الربيع العربي سرعان ما اشتعلت، فقفز إلى القاهرة، أيضاً مع شركاته ومستشاريه، بعد إزاحة مبارك، وتحدث عن "الديمقراطية العلمانية".

لم "يهضم" إسلاميو مصر، ومعهم الإسلاميون العرب، ذلك المدخل للتغيير. وأدرك أردوغان أنهم في وادٍ آخر، فباع سياسة تصفير المشاكل، وضاربَ على أفكار الثورة وشعاراتها، وعلى الثوار وتنظيماتهم، وأصبح "زعيم الأنصار" لهم على امتداد العالم العربي.

وفيما يتعلق بالثورة السورية تحديداً، انحاز أردوغان إليها ضد الأسد الذي اتهمه بالإجرام والقتل وكل الموبقات. فضاربَ على المعارضة السورية السياسية والعسكرية، واستقبل ملايين الهاجرين.

لكنه وجد نفسه وحيداً في هذه الساحة. وفي مواجهة نظامٍ دوليٍ وإقليميٍ لم يرغب بدعم الثورة، وقياداتٍ سوريةٍ معارضة لم ترتقِ إلى مستوى الحدث، وتَصَاعُدِ قوة وحضورِ هاجسه الأكبر (الكردي)، لم يكن ثمة بدٌ من الدخول عسكرياً في الرمال المتحركة السورية.

زاد الهمُّ السوري أعباءهُ إلى حدٍ كبير. وتواكب الأمر مع تصاعد الاهتزاز في الوضع المحلي الداخلي.

فمع النجاحات الكبيرة، اختلت التوازنات الدقيقة السابقة بين الشعارات والإنجاز، وبين مظاهر الدين ومقاصده، وبين الحياة في الماضي في مقابل الحياة في الحاضر، وبين التركيز على الأيدولوجيا في مقابل التركيز على استمرار عملية التنمية، وبين قيمة الأهلية وقيمة الولاء. وبدأ يظهر خللٌ في حسابات الأدوار والمواقع بين الفرد والمؤسسة، وبين الحزب والدولة، وبين من يمثل "الأنا" ومن يمثل "الآخر".

فانتشر الخوف، ومعه التخويف، من أردوغان في الداخل وفي الخارج.

اعتقد أن ظهرهُ محميٌ بـ "باتريوت" الأطلسي وأمريكا، فضاربَ ضد روسيا، وأسقط لها طائرةً، وحذرها من "اللعب بالنار". لكن بوتين هاجمهُ بضراوة، واتهمه بدعم الإرهاب، وأعلن حزمة عقوبات اقتصادية ضد تركيا، وأوقف السياحة إليها.

وفي نفس الوقت، سحبت أمريكا "الباتريوت". فاعتذر أردوغان لبوتين، وعاد للمضاربة على روسيا.

بعدها بشهور، اجتمع كل خصومه، والخائفين منه، داخلياً وخارجياً، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، فحصلت محاولة انقلاب عام 2016.

لكن استثمار أردوغان في الأتراك كان أقوى تأثيراً، فأفشل هؤلاء الانقلاب، وأعطوه ورقةً جديدةً ساعدته على استعادة السيطرة في البلاد، وبشكلٍ غير مسبوق.

غير أن ثمن هذه الدرجة من السيطرة كان كبيراً أيضاً. ولم يقتصر الأمر على زيادة شعبية المعارضة تدريجياً، وسيطرتها على أهم معقلين له في إسطنبول وأنقرة، بل امتدت إلى انشقاق زملاء دربه الكبار، وانضمامهم إلى تلك المعارضة.

وفي خضمِّ استعداداته لانتخابات عام 2023 الحساسة والمفصلية في مستقبله ومستقبل تركيا، جاء الغزو الروسي لأوكرانيا، واشتعلت معه الحرب الطويلة التي صار أحد أكبر المضاربين عليها، وأكثرهم نجاحاً فيها.

يُدرك أردوغان حجم التغيير الاستراتيجي العالمي الهائل الذي حصل بعد الغزو والحرب.

يعرف أن أمريكا ضَرَبت، بتوريط روسيا في أوكرانيا، عدة أهداف استراتيجية، بحجرٍ واحد: قزَّمَت، دون رَجعة، روسيا ورئيسها وجعلتهما منبوذَين في هذا العالم. وسَّعت حلف شمال الأطلسي وزادت تماسكه. أحكَمت سيطرتها على أوروبا، ليس فقط سياسياً وعسكرياً، وإنما اقتصادياً أيضاً، بعد أن أصبحت المُصَدِّرَ الأول للطاقة إليها في غضون شهورٍ من بدء الحرب.

وبالتالي، يعرف أنه يتعامل مع رئيسٍ روسيٍ مقلَّم المخالب، بات يحتاج إلى وجود أردوغان، بشكلٍ وجودي.

لهذا يُضاربُ الرجل على روسيا بقوةٍ في هذه الأيام، لأنه يريد أن "يَحلِبَها" إلى آخر قطرةٍ ممكنة.

وفي هذا الإطار يأتي الحديث عن اللقاء مع بشار الأسد، كمضاربةٍ جانبيةٍ متعددة الأهداف. ومن هنا، فهو حديثٌ مؤقتٌ، وعابرٌ، وتكتيكيٌ بامتياز.

يعرُف الرجل واقع النظام السوري وحاله المهترئ. ويعرف أنه ليس قادراً على تقديم شيءٍ ملموس يرقى لمستوى المطالب التركية في شمال سوريا، ولن يحتمل، لاسياسياً ولا اجتماعياً ولا اقتصادياً، عودة ملايين اللاجئين.

فوق ذلك، يُدرك أن شريحةً واسعةً من قاعدته الجماهيرية لن تقبل بانعطافةٍ مع الأسد، كما رضِيت بانعطافاتٍ أخرى سابقة. فالخاصرة الجيوسياسية السورية أكثرُ حساسية من غيرها بكثير، ديموغرافياً وسياسياً وعسكرياً، وأيديولوجياً. ظهر هذا جلياً في بيان منظمات المجتمع المدني التركية المؤيدة عادةً لأردوغان، ضد التقارب مع الأسد، وصدر منذ أيام.

من المهم جداً لأردوغان أن يفوز بولايته الرئاسية الثانية، والأخيرة، ليرى بعينه مرابح استثماره الأهم، ويضع حجر الأساس لحلمه الكبير المتعلق بـ "مئوية تركيا" التي يتحدث عنها على الدوام. وعلى هذا الطريق، ستكون مضارباته في المرحلة القادمة قويةً، وفي كل الاتجاهات.

ومادامت روسيا، ودولٌ عربية هامة، ترغب بلقائه مع الأسد، وإسرائيل / نتنياهو، الأقرب إلى بوتين، تُرحبُ بذلك، فسنشهد في الأسابيع والأشهر القادمة "حراكاً سياسياً" في مسار التقارب مع نظام الأسد، لكن الأرجح أن ذلك سيبقى في سياق كونه حَراكاً (لجانٌ واجتماعات وحوارات و..)، يشتري به أردوغان الوقت إلى الانتخابات القادمة، الذي خرجت، مؤخراً، أخبارٌ تُفيد بأنه ينوي تقديم موعدها، استباقاً للأحداث.

وسيحرص، في خضمِّ ذلك، على إرسال وزير خارجيته إلى أمريكا، للقاء وزير خارجيتها، وإكمال محادثات التعاون الاستراتيجي بين البلدين.

يُعرف عن الرجل أنه يحاولُ أن يشتري بأرخص الأثمان، ولو كانت بضاعة البائع من أجود الأصناف. وهو يَعرفُ أن بضاعة الأسد فاسدةٌ وكاسدة، لكنه يريد أن يُرضي السماسرة، ولو إلى درجة، عبر مساومات السوق السياسية التي يمكن لها، دائماً، أن تظلَّ دون نهاية.

وقد تكون إحدى الدلالات على تحليلنا حديثُ أردوغان، اليوم الأربعاء، في المؤتمر الدولي لديوان المظالم الذي يُعقد في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، عن "الانتهاكات الجسيمة التي تتجاهل حقوق الإنسان والحريات والكرامة في أماكن كثيرةٍ من العالم"، وأن يبدأ الأمثلة التي أعطاها على كلامه بسوريا، نفسها، دون غيرها من البلدان.

عن الكاتب

د. وائل مرزا

باحث في العلوم السياسية، مهتمٌ بالشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس