د.مصطفى حامدأوغلو - خاص ترك برس

ليس خفياً على أحد اليوم ،أن تركيا مقدمة هذا العام على انتخابات مفصلية ، رئاسية وبرلمانية، ولا يختلف اثنان على أهمية هذه الانتحابات داخليا وخارجيا واقليميا ، وتأثيرها المباشر على كثير من الملفات والاحداث التي تجري بالمنطقة.

بل وحتى على كثير من دول المنطقة التي تترقب نتائجها بفارغ الصبر.

وكعادتهم ومنذ سنيين ينتظر السوريون أيضا – ومعهم الكثير من المشردين من أبناء الدول العربية - نتائج هذه الانتخابات بكثير من الترقب والخوف والقلق على مستقبلهم وأمنهم.

خارجيا وربما لأول مرة تكون نتائج هذه الانتخابات مهمة جدا ومحل ترقب بالنسبة لدول كثيرة وكبيرة ، في مقدمة هذه الدول ، دولتان مسيحيتان متصارعتان هما روسيا وأوكرانيا، والغريب هنا أن تكون دولة مسلمة ،ويحكمها حزب وشخص محارب من الغرب، هي حاجة ماسة وثقل توازن بين هاتين الدولتين المتنازعتين.وليس من الغريب ان تعملان معا لإنجاح هذه الانتخابات لصالح الرئيس طيب أردوغان .وهذا من تناقضات هذه الانتخابات الكثيرة..

الدول التي تتمنى التغيير العكسي بتركيا هي الاخرى كثيرة ، وعلى رأسها أمريكا وكثير من الدول الغربية وايران .وهنا ايضا قد نشهد تدخلا مباشرا وغير مباشر من هذه الدول للتأثير على نتائج هذه الانتخابات ، وتصريحات الرئيس الامريكي بايدن بموقفه وتعهده بدعم المعارضة التركية لتغيير أدروغان ليست بخافية على أحد.

داخليا هناك عشرات الأسباب التي تجعل هذه الانتخابات من أهم الانتخابات التي يخوضها رجب طيب اردوعان وحزب العدالة والتنمية.

فهي آخر انتخابات يقودها الرئيس اردوغان كما ألمح بذلك، وهي الفترة الذهبية التي يريد الرئيس  من خلالها تتويج كل الاعمال التي بدأها على مستويات كثيرة ، من أهمها حملة التصنيع الحربي، التي بدأت تزعج مراكز القوى العالمية التي تريد من الدول الاخرى-الاسلامية والشرق اوسطية – تريدها أن تظل ترتع ببيت الطاعة والتابعية ، والمستهلكة الضعيفة المستوردة.

استخراج الغاز والبترول من حوض البحر الاسود وجنوب شرق تركيا، والبحث المستمر عن الغاز بحوض البحر الابيض المتوسط ، وترسيم الحدود البحرية واتفاقية التفاهم مع ليبيا ، رغم التضيق والمحاربة من دول أوربية كثيرة على رأسها اليونان وفرنسا ، كلها ملفات تؤكد أهمية هذه الانتخابات من جهة ،وصعوبتها وكثرة الأيادي التي ستتدخل بها من جهة اخرى.

تثبيت النظام الرئاسي وتحصين مكتسبات العدالة والتنمية وحماية تركيا من العودة لفترة عدم الاستقرار وعدم تشكيل الحكومات وتهاويها بأشهر قليلة والفراغ السياسي، ايضا يجعل هذه الانتخابات بمثابة الجسر الذي ستعبره تركيا لنظام سياسي مستقر من جديد.

كل هذه الاسباب ومعها الكثير هي سلاح ذو حدين ، فهي اسباب تدعو العدالة والتنمية الحرص على عدم التفريط بها، وتدعوا اعداء تركيا ومنافسيها لتعجيل وأدها وحرف مسيرتها .

وهذا مايزيد من صعوبة هذه الانتخابات المفصلية...

فهل يستطع اردوغان – وهو الذي كسب كل الانتخابات التي خاضها على مر عشرين عاما من حكمه- أن يجتاز هذه الانتخابات بسهولة هذه المرة؟

أم أنه سيتعرض هذه المرة لخسارة مدوية أمام خصومه المختلفين المتفقين على شيء واحد وهو اسقاطه ليس إلا..!!؟؟

العدالة والتنمية قاد تركيا من نجاح الى نجاح وقام بتغيير معالم تركيا منذ العام 2002 في كثير من المجالات الاقتصادية والحقوقية والتعليمية والبنية التحتية، ونقل تركيا الى مستويات لم يكن المواطن التركي يحلم بها.

ولم يكن الطريق ممهدا أمام أردوغان بمسيرته هذه -رغم الظروف العالمية المواتية في بدايات حكمه- فقد تعرض لمقاومة بيروقراطية عنيدة في سنيينه الاولى،ولضغوطات العسكر ،وتعرض لدعوى اغلاق الحزب وهو في ذروة نجاحه،ومحاولات السيطرة على الدولة من قبل التنظيم الموازي والحرب الاقتصادية والانقلاب العسكري كان أقساها وأشدها.

حزب العدالة الحاكم ايضا تعرض لهزات كثيرة خلال مسيرته ، وفقد كثيرا من كوادره الاساسية ونواته الصلبة ، وكعادة كل الاحزاب الحاكمة بأي بلد، يبدأ بالانضمام لها أصحاب المصالح الشخصية والمطامع الفردية وتضعف روح الانتماء ويقل اصحاب الدعوة والعقيدة والفكرة.

 ويكثر الذين يسيؤون أكثر مما يعطون وينفعون.وحصلت طفرة تغير ببنية الحزب بعد الرخاء المادي الذي ساد اعضاءه، مما زاد من كثرة الانتقادات له من قبل شريحة الناخبين التي بدأت تشعر بشرخ بينها وبين كوادر الحزب ، وخسارة بلديات المدن الكبرى وعلى رأسها اسطنبول وانقرة كان بمثابة درس وكرت أصفر للحزب كي يعيد فرمتة كوادره من جديد ويعيد عيار المعمل كما يطالب به رئيسه أردوغان باستمرار.

الاقتصاد كان سر نجاح العدالة والتنمية وأهم عامل ترجيح يؤثر على رأي الناخب بالاضافة الى عوامل اخرى منها الانتماء للحزب ، والناحية القومية والانحياز لدعم المواقف الشجاعة أمام الخارج وغيرها ، لكن يظل حال الجيب وضنك العيش أهم سبب لردة الفعل بعدم تأييد الحزب أو الموقف السلبي بمقاطعة الانتخابات .

لقد نجح الرئيس أدروغان بأن يكون هو البلسم لتطلعات اصحاب الدخل المحدود على طول الفترة الماضية والازمات الاقتصادية التي عصفت بتركيا، لكنها لم تكن ابدا بمثل هذه الازمة التي تعيشها تركيا الآن ،رغم كل الاجرارات الاسعافيةالكثيرة التي يقوم بها الحزب بالآونة الأخيرة.

العامل السياسي هو الآخر يختلف هذه المرة عن سابقيه،فلأول مرة ستخوض تركيا الانتخابات بعد انتقالها للنظام الرئاسي ، وما جلبه من سلبيات وايجابيات ،وعثرات لم يتح للحزب الحاكم تعديلها واصلاحها بسبب تعنت ورفض الاحزاب المعارضة التي ترفض هذا النظام جملة وتفصيلا ،وتتهمه بنظام الرجل الواحد ، وتراهن للعودة الى النظام البرلماني ،حيث سيكون هذا الهدف هو أهم تعهد ببرنامجها السياسسي التي تبدو أنها مجتمعة على التسمية فقد دون المحتوى حتى الآن.

ضمن هذه التحديات والعوائق والتناقضات يقود أردوغان حزبه لتتويج مسيرته بنجاح جديد ربما يكون هو الأقوى خلال العشرين سنة الماضية وليس بخسارة مدوية كما كان يروج لذلك احزاب المعارضة..

فهل حسم أردوغان الانتخابات قبل أن تبدأ هذه المرة رغم حساسيتها وصعوبتها!!؟؟

من المؤكد أن القول بمثل هذا الادعاء القوي وقبل أن تبدأ الحملة الرسمية الانتخابية ليس من الحكمة التي يجب أن يتحلى بها كل كاتب ومحلل واقعي ومهني ،ولا تزال هناك أشهر للانتخابات والمعارضة لم تعلن بعد مرشحها ولا كيف ستكون الاصطفافات الحزبية.

ومثل هذه المراهنة تعتبر استعجالا وتهورا وتسرعا لا تنسجم مع طبيعتي المتأنية الصبورة لقراءة الاحداث ..

لكن سيكون جوابي بنعم ومن الآن ..

لقد حسم أردوغان الانتخابات من الآن ...مالم يحدث أمراً غير متوقعا وخارج المنطق والمتوقع ...

أقول لقد حسم أردوغان الانتخابات بناء على عدة قرائن وملاحظات كثيرة سأذكر أهمها هناوليس كلها

أولاً: الوضع الاقتصادي ورغم الاوضاع الاقتصادية العالمية بعد وباء كورنا والحرب الروسية الاوكرانية وتراجع الليرة التركية بشكل كبير وارتفاع اسعار البيوت والآجارات لأول مرة بتركيا بهذه الدرجة الغير معقولة، استطاع أردوغان تخفيف لهيب الاسعار على الأقل ..

لأول مرة يعتمد الرئيس سياسة اقتصاد الانتخابات التي تسعى لارضاء أكبر شريحة من الناخبين..

أهم اشارة هنا ،أن كل استطلاعات الرأي تشير بأن العامل الاقتصادي هو أهم أولوية بالنسبة للناخب ..وأنه غير راض عن هذا الوضع ..ورغم هذا يكون الجواب للسؤال الثاني :على من تعول لحل هذه المشكلة

الجواب : وبدون تردد أردوغان ... وليس المعارضة...

فرغم سوء الاحوال الاقتصادية ،لايزال أردوغان هو المنقذ وهو الأمل...

واصوات المعارضة لم تزداد...وهذا يعني فقدانها لأهم بربوغاندا انتخابية كانت تعول عليها..

أضف لذلك انهاء معضلة العالقين أمام التقاعد التي تمس ما يقارب ستة ملايين شخص وحلها أردوغان بشكل فاجأ حتى المعارضة نفسها .

 

ثانيا: سعت المعارضة لاستغلال ورقة اللاجئين بابشع استغلال متخطية كل القيم الانسانيةوالحضارية والقانونية واضفت عليها روح العنصرية والعرقية البشعة وكان الهدف هو النيل من الرءيس أدروغان ...وكانت تتبجح وهي تعرف حقيقة تبجحها أنها تملك العصى السحرية لحل ذلك.

فجاءت تحركات الحزب الحاكم لتسحب منهم ايضا هذه الورقة فعادوا لانتقاد سياسة تركيا الخارجية التي كان يقودها وزير الخارجية دواوداوغلو شريكهم اليوم بالطاولة السادسية السباعية ..

 

ثالثاَ:انجازات تركيا الصناعية الحربية والطائرات بدون طيار التي قلبت الموازين بساحات المعارك، والسيارة الجديدة،والطائرة الحربية، واستخراج الغاز ، والمدن الطبية ، هذه الانجازات بدأت تغير قناعات شريحة الشباب الذي ولد بعهد العدالة والتنمية ولم يرى الفرق بين تركيا القديمة والحديثه ولم يستشعر الانجازات السابقة من طرق وانفاق ومطارات وعمران ، هذه الانجازات النوعية بدأت تدغدغ مشاعر الشباب وروح القومية المتنامية لديهم..

وهذه خسارة كبيرة للمعارضة التي كانت ترى الشباب وكأنهم قطعة حلوة بجيبها..

 

رابعاَ:عودة الروح لحزب العدالة والتنمية واصلاح كثير من الخلل بكوادر الحزب وعود العلاقات والتواصل بين المواطن واعضاء الحزب التي اصابها نوع من الجفاء والقطيعة..مرت فترة لم يكن المواطن يبوح بهمه بل كان يدير ظهره معبرا عن الاحباط والتذمر، اليوم عاد المواطن ليبوح للحزب الحاكم بمشاكله وطموحاته وطلباته،وهذا مؤشر لعودة الثقة والأمل والتأييد.

خامساَ: فشل المعارضة بأن تكون البديل على كافة المستويات، فلم تطرح الحلول الاقتصادية  ولا السياسية ،واستمرت بسياسة النقد من أجل النقد ،فلم تكسب ثقة المواطن رغم الصعوبات والهزات الاقتصادية العنيفة التي مرا بها تركيا ..

سادساَ: ةربما هذا أهم مؤشر بالنسبة لي وأنا متابع  جدا لكل تصريحات المعارضة قبل الحزب الحاكم ، فلقد مرت المعارضة بفترة بالعام الماضي كانت معنوياتها بذروتها ،وبدأت تصرخ بأن هذه المرة الامور تمام ، وأصبح ذهاب أردوغان أمر قد قضي وانتهى ولم تعد سوى ايام له بالقصر الرئاسي ...وكانت حجتهم أن العدالة والتنمية بدأ بالتراجع والانحدار وهذا مؤشر لقرب نهايته ،وليس السهل ايقاف هذا التدهور والتراجع ولايمكن الوقوف هذه النهاية المتهاوية...

وهذا كلام صحيح ، لكنه مبالغ به...

لقد كان العدالة والتنمية في نقطة من التراجع لا يحسد عليها..

وبدا هذا على بعض كوادر الحزب الملتحقين اخيرا له..

لكن اليوم الوضع عكس ماكان عليه قبل عام...

لقد بدأ الكابتن بقيادة سفينته نحو بر الأمان بخطى وطيدة ثابتة ..

اليوم المنحى ومؤشر التأييد بدأ ومنذ الصيف الماضي لصالح العدالة والتنمية وبدأ الحزب يستعيد تأييد ناخبية الذين أثرت عليهم الاوضاع الاقتصادية وكل الاسباب السلبية سابقة الذكر...

تعيش مثل هذه الحالات النخب الرياضية ايضا ، ومن يبدأ عنده الانحدار والتراجع قبل نهاية الدوري باسابيع فلا يجد الفرصة لتعديل وضعه فيخسر الدوري وينتظر الكأس القادم ...وهذا حال المعارضة التركية اليوم..

ومن يعيش فترة الانتعاش  والمنحى المتنامي وكسب المباريات وتسجيل الاهداف وحصد النقاط فالكأس نصيبه...

ويبدو هذا حال أردوعان والعدالة والتنمية اليوم

ويظل هذا المقال محاولة قراءة الواقع الحالي وتوقع النتيجة بناء عليها...

ويظل الفصل  والحكم بيد الناخب التركي يوم الانتخاب

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس