د. ياسر سعد الدين - خاص ترك برس

ليست المرة الأولى ولن تكون بطبيعة الحال الأخيرة والتي يُعتدى فيها على حرمات الإسلام ومقدساته، وانتهاكها بطريقة مستفزة ووقحة وبعيدة عن الأخلاق الإنسانية والسلوكيات الحضارية. حرق المصحف الكريم وصدور قرار رسمي من السلطات السويدية بالسماح بذلك وحمايته، أمر يحمل الحكومة المسؤولية الكاملة عن هذا الفعل المشين. وإذا كان لكتاب الله رب يحميه، وهو الحليم والمنتقم الجبار سبحانه: (ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ)، غير أننا ومع كل الأسف فشلنا في هذا الابتلاء، على مستوى الأمة والأفراد والدول – مع استثناءات محدودة ومعدودة- في اختبار الانتصار لربنا ولرسولنا صلى الله عليه وسلم ولقرآننا بشكل مخجل ومعيب. في مسألة حرق مصحف أمور عديدة ومؤشرات كثيرة منها وبشكل مختصر:

• تتجرأ الدول الغربية على محرمات المسلمين، لإنها واثقة من أن ردود الفعل الرسمية لن تتعدى إن وجدت، الكلمات الجوفاء والبيانات العرجاء. ولو كان عندك حكومة السويد أدنى شك بأنها ستواجه أية إجراءات اقتصادية خصوصا في مجال الطاقة، أو تجارية ، أو سياسية، لما تجرأت على التصرف بوقاحة ووضاعة.

• هل تجرؤ حكومة السويد الرسمية السماح بحرق التوراة (وهو أمر نرفضه تماما كمسلمين) أمام سفارة الدولة العبرية على سبيل المثال، ناهيك عن تقديم الحماية لذلك السلوك؟ وهل ستعطي حكومة استكهولم السويديين المهتمين بالأخلاق والعفة من مواطنيها المسلمين وغيرهم، الأذن بحرق علم الشواذ وشعارهم في ميدان عام؟ 

• يأتي الاعتداء السويدي الرسمي على قرآن المسلمين، بعد شهور من اعتداء السلطات الرسمية على عائلات مسلمة واختطاف أطفالها باسلوب نازي منحط، تحت إعذار زائفة واهية، دون أن تحتج ولا دولة مسلمة على هذا الإضطهاد والإجرام! وأعود لاسأل، هل تجرؤ حكومة السويد على اختطاف طفل يهودي من عائلته الملتزمة أو المتزمتة؟ نفس الأمر تكرر في فرنسا، بدأ الاعتداء على الحجاب وعلى أخلاق المسلمين ومراكزهم ومساجدهم، ومن ثم تصاعد مع الخذلان العربي والإسلامي الرسمي إلى التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى مستوى الرئاسة الفرنسية.

• شجع السويد على موقفها الرسمي العدائي والمنحط في مسألة احراق المصحف ما حدث في فرنسا. فقد اعتدى رئيسها ماكرون على مقام الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع كل ذلك فلم تتخذ حكومة مسلمة موقفا تجاه فرنسا، بل إن رئيسها يستقبل في بلاد المسلمين بالحفاوة والتكريم والسجاد الأحمر.

• الغرب والذي يعاني أزمات أخلاقية عميقة، وتفكك أسري كبير، وتجارة الرقيق الأبيض، وحالات عنف دموي وإطلاق نار بشكل عشوائي، لا ينشغل لا بالبوذية ولا بالهندوسية ولا غيرهما، هو فقط ينشغل بالإسلام. والسبب في ذلك هو حيوية الإسلام، وما يشكله من بديل أخلاقي وحضاري لمدنيتهم الآخذة في الأفول والتي تغرق في أوحال الشذوذ وقيعان الإدمان والضياع والبوهيمية. هذه الحيوية هي التي تجعل الإسلام الدين الأكثر انتشارا، وخيار العديد من نخبة العلماء والمفكرين الغربيين مثل رجاء جارودي ومراد هوفمان يرحمهما الله وغيرهم.

• حرق المصحف هو تصرف الحمقى والجهلة والحاقدين، ولو كان عندهم قدرة على النيل من القرآن علميا وفكريا ومنطقيا لفعلوا. يكفى أن نعلم أن مستشار نيكسون القانوني روبرت كوين –يرحمه الله- وهو اليهودي الحائز على دكتوراة في القانون من جامعة هارفارد العريقة أعلن إسلامه حين قرأ آيات الميراث في القرآن فتعجب من إيجازها وإعجازها وشموليتها الكاملة معلنا أن لا قدرة لبشر على فعل ذلك، وأمثاله في مختلف التخصصات كثير.

• على الرغم من المقصود من مثل هذه التصرفات الإعتداء على الإسلام والانتقاص منه، فإن كثير من المسلمين حتى من غير الملتزمين يجدون بمثل هذه التصرفات الرعناء استفزازا يدفعهم لإعادة رسم علاقاتهم بالإسلام بشكل أكثر قربا وتطبيقا. لا بل إن مثل هذه التصرفات والهجمات السابقة دفعت العديد من الغربيين لدراسة الإسلام واعتناقه عن قناعة ورغبة. ومن حيوية هذا الدين المحفوظ بحفظه سبحانه وتعالى، أن أسلم بعض ممن كان في طليعة قيادة حملات الإساءة مثل أرناود فان دورن السياسي السابق في حزب الحرية الهولندي المتطرف وأحد المشاركين في إنتاج فيلم "الفتنة" المسيء للإسلام بوضاعة، والذي هداه الله للإسلام وأعلن توبته وندمه على دوره في الهجوم على دين الحق.

• ربط تركيا بالإسلام على الرغم من أن أنقرة تعلن أن نظامها في الحكم علماني، يكشف أن دافع الحقد الغربي على تركيا الأساسي، كونها دولة مسلمة وأن الحكم فيها يقترب من القيم الإسلامية في نشر الأخلاق والقيم العائلية وحتى الإنسانية كما كان دوره عالميا في وباء كورونا.

• سياسيا ومن غير قصد بطبيعة الحال، أعطت الحادثة والموقف التركي الرسمي الحازم والجازم منها، ذخيرة انتخابية للرئيس رجب الطيب أردوغان في الصراع الانتخابي الأهم في تاريخ تركيا وربما المنطقة. 

سينتصر  الإسلام بأمر الله وقدره ووعده ووعيده، نرى شواهد هذا الأمر في تساقط البشرية في وحل من الرذائل والشذوذ، والتفكك القيمي والعائلي، والحياة الضنك، ونسب الانتحار، وجرائم القتل الجماعية المتصاعدة. الإسلام لا يحتاج لنصرتنا، بل نحن من نحتاج لننصره حتى لا نكون من الأخسرين أعمالا، وحتى نلقى الله يوم الفزع الأكبر وعندنا من حبه سبحانه وتعالى، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعظيم كتابه وتوقيره، ما يقربنا من رحمته ويدخلنا فيها، فينجينا من الخسران المبين، والضلال البعيد، والعذاب العظيم.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس