ترك برس

يعد "خزان البازيليك" وسط إسطنبول، بمثابة ذاكرة للمدينة تحت الأرض يمتد إلى ما قبل 1600 عام.

ويقع "خزان البازيليك" تحت تلة القسطنطينية الأولى، إلى الغرب من الساحة الواقعة بين متحف آيا صوفيا ومسجد السلطان أحمد، وقريبًا من حجر المليون الذي عُدَّ مركز العالم في العهد البيزنطي.

وتحول المعلم الأثري من مجرد خزان للمياه إلى مكان للذاكرة والأساطير حُفر تحت الأرض منذ 1600 عام.

ويأخذ الخزان اسمه من الكنيسة الرومانية "سيسترن" (Basilica Cistern)، التي كانت تقع على الهضبة ذات مرة في الزمن الغابر.

الخزان الذي يُعدّ الأكبر من بين مئات الصهاريج القديمة التي تقع تحت مدينة إسطنبول، عبارة عن مبنى ضخم مستطيل الشكل بناه الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، على مساحة تبلغ حوالي ألف متر مربع، ويبلغ طوله 140 مترًا وعرضه 70 مترًا، بسعة تخزين المياه 80 ألف طن، وقد لبّى احتياجات المدينة المائية لمئات السنين، عن طريق توزيع المياه التي تم الحصول عليها من المجاري المائية، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت."

أعمدة تاريخية في "خزان البازيليك"

هذا الإرث الصامت لآلاف السنين والذي يشبه القصور عُرِف بين الناس باسم "القصر المغمور"، لعظمة تصميمه المؤلف من 336 من الأعمدة الرخامية التي تنبثق من داخل المياه، لتقف شامخة بارتفاع 9 أمتار، والتي اتخذت نسقًا بديعًا شكّل 12 صفًا من الأعمدة على مسافة 4.80 متر من بعضها بعضًا، ويمتد انعكاسها في الماء لتبدو للناظر لوحة لا نهاية لها.

وتتكوّن معظم الأعمدة المنحوتة من أنواع مختلفة من الرخام، صُمّمت بعضها من قطعة واحدة، بينما تكّون قسم آخر من قطعتين، ويُعتقد أن هذه الأعمدة الموجودة في الخزان تم جمعها من المباني الأثرية التي تعود إلى الحضارات التي تعاقبت على المدينة.

وقد تم تجميع القطع اللازمة لبناء المكان من مواقع أثرية مختلفة، ويمكن ملاحظة اختلاف الأعمدة التي تعود إلى حقب زمنية مختلفة، وطُرُز معمارية متباينة.

ويعكس 98 من هذه الأعمدة الطراز الكورينثي، الذي تم إنشاؤه خلال الفترة الهلنستية، وهي الفترة الأكثر إشراقًا في اليونان القديمة، ويحمل بعضها النمط الدوري، وهو الترتيب المعماري الأول والأكثر تفصيلًا في اليونان القديمة، بينما يطغى على قسم منها النمط الروماني.

اكتشاف الإرث الثقافي الغارق

لم يلاحظ الغربيون المبنى حتى منتصف القرن السادس عشر، حيث نسب اكتشافه وملاحظة وجوده إلى بتروس جيليوس عالم الطبيعة والطوبوغرافيا الفرنسي، الذي عاش في إسطنبول في الفترة الواقعة بين (1544– 1555)، بينما في الواقع يُذكر أن أهل الحي كانوا على دراية بالصهريج في ذلك الوقت، حتى إنهم كانوا يجدفون في القوارب داخله ويصطادون السمك.

كان جيليوس فضوليًا جدًا بشأن تلك الآبار التي يجلب منها الناس الماء، فذهب لمعرفة ما يجري هناك، وبعد نزول سلالم القبو البارد، فوجئ بعظمة المكان، وسجل مشاهداته ونشرها، وأظهر إرثًا ثقافيًا منسيًا تحت الأرض.

من مخزن للمياه إلى مُتحف

خضع المبنى لعمليات ترميم عدة عبر العصور، وفي الثمانينيات بدأت عمليات الترميم التي أعطت للمكان شكله النهائي، واستمر الترميم 6 سنوات، وخلال أعمال الإصلاح المكثفة التي نفذتها بلدية إسطنبول بين عامي 1985 و1987، تم التأكد أن الموقع يستطيع الصمود بأمان لعمر مديد، ليتوج المشروع بافتتاح الصهريج مُتحفًا.

وقد تم تزين البناء بنظام إضاءة خاص يتلألأ انعكاسه على المياه التي تغمر الأرضية بما يقارب نصف المتر، صُممت فوقها عدد من الجسور الحديدية على شكل ممرات، ويمكن للزوار رؤية أرضية الخزان.

إقبال سياحي منقطع النظير

وأمام مدخل ضيق ينحدر بدرج حجري مكوّن من 52 درجة، لا يكاد يفصح مظهره عن الصرح التاريخي العظيم المفضي إليه، يصطف الناس بانتظار دورهم؛ ليعيشوا لحظات رائعة وتجربة غير مألوفة في أعماق الأرض.

استضاف المتحف العديد من الشخصيات المهمة؛ مثل: الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الهولندي ويم كوك، ووزير الخارجية الإيطالي الأسبق لامبرتو ديني، ورئيس الوزراء السويدي غوران بيرسون، ورئيس الوزراء النمساوي توماس كليستيل.

ويشارك الزوار مشاعرهم وانبهارهم بالفن الذي يهيمن عليه روح العصور الماضية.

يقول جعفر خان -وهو سائح هندي- في حديثه للجزية نت، "إنه مكان مذهل يعيدنا إلى الوراء قرونًا عديدة، وبالرغم من ذلك لا يزال صامدًا مثيرًا للدهشة بتصميمه الرائع".

غموض وأساطير شائعة

تلف المتحف أجواء من الغموض لوقوعه تحت الأرض مع بيئة مشبعة بالظلام، تتخللها إضاءة خافتة وقطرات من الماء المتساقط بين الحين والأخر، كما يضفي رأس "ميدوسا" المقلوب بنظراته الحادة انطباعًا أسطوريًا نُسجت حوله الروايات والقصص، إذ تُعدّ "ميدوسا" وحش العالم السفلي وفقًا للأسطورة اليونانية، والتي قامت أثينا بتحويل شعرها إلى ثعابين، ومنذ ذلك الوقت امتلكت "ميدوسا" القدرة على تحويل أولئك الذين ينظرون إليها إلى حجر.

وما يلفت الأنظار من هذه الأعمدة المختلفة هو عمود الدمعة، الذي يروي أنه صُنع ذكرى للعمال الذين فقدوا حياتهم أثناء بناء الخزان، والعمود المنقوش بشكل حلزوني بديع يقف السياح يتأملونه بدهشة.

تقول السائحة الألمانية ليلى سنانشيفتش،" المكان ساحر، لقد صُدمت عندما رأيته، إنه أجمل بكثير من الصور، لقد أعجبني عمود الدموع كثيرًا، يبدو تحفة فنية مدهشة".

وتوجد في أحد جوانب العمود حفرة تقول إحدى الأساطير من يدير إبهامه فيها تتحقق أحلامه، لذا يُسمّى عمود الأمنيات.

وتثير هذه الأساطير اهتمام الزوار، فتراهم يتجنبون التحديق في وجه "ميدوسا"، بينما يحرصون على التوجه لعمود الأمنيات، ثم يرمون بعض القطع المعدنية في الماء، أملًا في تحقيق الأمنيات، وفقًا لأساطير أخرى شائعة.

ويقول جعفر خان، "أتيت لزيارة هذا الصرح الرائع للمرة الثانية، أردنا أن نلقي النقود في الماء؛ لعل أمنية ابني تتحقق في أن يصبح لاعب تنس مشهورًا".

هذا الغموض الذي يلف المكان مثّل مصدر إلهام للكتاب العالميين؛ كالأديب الأميركي الشهير دان براون في روايته "الجحيم" التي تروي أحداثًا من الغموض والتشويق تقع تحت الأرض في أروقة القبو المظلمة، والرواية التي تحوّلت إلى فيلم يحمل الاسم نفسه عام 2013 صُوّر كذلك في الموقع ذاته.

مركز للفعاليات ومعرض للفن الحديث

بالإضافة إلى الحيز الأساسي للصهريج، تم توسعة بعض المناطق لتكون قابلة لاستضافة فعاليات ثقافية وفنية؛ مثل: المسرحيات وعروض الرقص والحفلات الموسيقية، كما أضيفت بين الأروقة هياكل فنية من الفن المعاصر لفنانين أتراك، مما خلق عالمًا من الإبداع المعاصر تلفّه ذاكرة تاريخية عميقة.

تقول سائحة كورية تُدعى إلينا سون للجزيرة نت، "المتحف يبعث على الشعور بالهدوء والراحة النفسية، كما أن وجود الهياكل الفنية يعطي شكلًا آخر للمكان، ويزيد من جاذبيته".

وبين الماضي الأسطوري والإبداع المعاصر يخلق "القصر المغمور" إمكانات من شأنها أن تقدّم قيمة حضارية للمدينة، كما تضيف نسيجًا جديدًا إلى الذاكرة الثقافية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!