ترك برس

يرى الكاتب والمفكر التركي أحمد دميرخان أن السؤال عن “ما هي أوروبا؟” ليس سؤالًا جغرافيًا أو ثقافيًا بسيطًا، بل هو سؤال عن السلطة، والهوية، والإرث الإمبراطوري الذي ما زال يحكم القارة حتى اليوم.

وينطلق دميرخان في تحليله من أطروحة الفيلسوف الفرنسي ريمي براغ الواردة في كتابه «أوروبا: الطريق الروماني»، ليكشف أن أوروبا ليست امتدادًا طبيعيًا لليونان أو المسيحية، بل هي قبل كل شيء وريثة روما.

ويشير دميرخان إلى أن براغ يقدّم تعريفًا ضيقًا وصادمًا لأوروبا، يقوم على فكرة أن ما يميّزها ليس اليونانية ولا اليهودية ولا حتى المسيحية الشرقية، بل اللاتينية والرومانية، أي القدرة الرومانية على نقل القديم إلى سياق جديد وإعادة إنتاجه باعتباره حداثة.

فبحسب هذا المنطق، لم يخترع الرومان الفلسفة أو الدين، لكنهم اخترعوا شيئًا أخطر: آلية نقل وترجمة وهيمنة جعلت من أنفسهم مركز العالم.

ويؤكد دميرخان، نقلاً عن براغ، أن الأوروبيين لم يصبحوا “يونانيين” أو “يهودًا” إلا لأنهم كانوا “رومانًا” أولًا. فالرومانية ليست محتوى، بل بنية هيمنة ثقافية تسمح باحتواء الآخر وإعادة إنتاجه داخل إطار سلطوي واحد.

ولهذا، فإن أوروبا، في معناها العميق، ليست حضارة أصلية بل مشروع إعادة تمركز دائم.

لكن دميرخان يلفت إلى أن هذا التصور الروماني لأوروبا لا يخلو من تناقضات داخلية، وهو ما كشفه انقسام القارة بين اللاتيني الكاثوليكي والجرماني البروتستانتي بعد الإصلاح الديني.

ففي حين ورثت فرنسا البنية السياسية لروما، ورثت ألمانيا بنيتها اللاهوتية، ما جعل الأولى تتطور نحو الدولة-الأمة، بينما بقيت الثانية مشدودة إلى حلم الإمبراطورية.

وينقل دميرخان عن الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر اعتراضه الجذري على هذا الإرث الروماني، إذ يرى أن روما لم تنقل الفكر اليوناني، بل شوّهته وحوّلته إلى أداة للهيمنة.

فحين تحولت alētheia اليونانية (انكشاف الحقيقة) إلى veritas اللاتينية (اليقين والسلطة)، لم يعد المقصود الحقيقة بوصفها كشفًا، بل الحقيقة بوصفها أمرًا إمبراطوريًا مفروضًا.

وبحسب دميرخان، فإن هايدغر يرى في الرومنة عملية إخضاع للمعنى، حيث تتحول المعرفة إلى أداة سيطرة، ويتحول “السياسي” من فضاء جماعي (polis) إلى جهاز إمبراطوري.

ومن هنا، فإن أوروبا الحديثة، في بنيتها العميقة، ليست استمرارًا لليونان بل ترجمة رومانية مشوّهة لها.

ويضيف دميرخان أن هذا الإرث الروماني هو الذي يفسّر التكوين الحالي للاتحاد الأوروبي، الذي يقوم فعليًا على محور فرنسي–ألماني يعيد إنتاج ثنائية روما القديمة: فرنسا بوصفها وريثة الدولة الرومانية، وألمانيا بوصفها وريثة حلم الإمبراطورية.

ويخلص الكاتب التركي إلى أن أوروبا ليست “بيتًا قديمًا” له جذور ثابتة، بل فضاء يعيد رسم حدوده باستمرار عبر الترجمة والسيطرة والنقل.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي، كما يقول دميرخان، ليس: هل تتحد أوروبا؟ بل: أيّ روما تحكمها اليوم؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!