مهنا الحبيل – جريدة الوطن

حسم الرئيس رجب طيب أردوغان الجدل، باختصاره المرحلة الانتقالية التي كانت تعيشها تركيا في مرحلة فقدان التوازن، والتي أعقبت انتخابات السابع من يونيو الماضي، وفقدت فيها الحكومة قاعدة التمثيل المستقل لحزب رئيسي أو توافق مع حزب حليف ممكن أن يشتركا في الخطة الحكومية، وهو أمر يعتبر مشكلة سياسية في أي دولة تعتمد التمثيل البرلماني الديمقراطي، قد تقود إلى أزمة دستورية.

وعليه فإن استخدام أردوغان لحقه الدستوري ودعوته للانتخابات المبكرة، دون استخدام الخيار الأخير وهو تكليف «حزب الشعب الجمهوري» بجمع فرقاء المعارضة، لجولة جديدة من البحث في تحالفات للنقيضين، يُنظر إليه أنه يقلل من مرحلة الصراع المحتوم، الذي كان سيسبق أي انتخابات قادمة، بمرحلة انتقالية هشة شُكّلت فيها حكومة، أو أعلن الحزب المعارض عجزه عنها، للتباين الشرس بين المعارضين وإن اتفقوا على إسقاط «حزب العدالة».

واستغلت المعارضة هذا القرار الدستوري، كما هو متوقع، لكنّه موقف لا يغيّر كثيراً، من حسابات المشهد الصعبة والدقيقة، أمام الفرقاء السياسيين في تركيا، ولأول مرة تنعكس مرآة التحالف الإيراني والعربي والدولي المناهض «لتركيا العدالة» بهذا المستوى، في الحديث المباشر في إعلام العدالة، والمقصود إيمان الفريق الإسلامي والوطني في تركيا، بشراسة الحرب السياسية عليهم وتداخلاتها الإقليمية الصعبة.

واستمرار هذه الحملة يؤشر على بقاء هذا الرهان لإسقاط العدالة قائما، وأن أحزاب المعارضة الرئيسية التي عاشت تجارب صراع قديمة، خاصة «الشعب» و«الحركة القومية»، لم تتحول عن موقفها من إسقاط العدالة وصناعة موقف سياسي وطني يواجه أزمة مصيرية خطيرة لكل تركيا، رغم انكشاف مشروع التحالف الموسمي مع «حزب الشعوب الديمقراطي» لأكراد تركيا.

وعليه فإن رهانات المعارضة تعتمد على حصاد انتخابي جديد خلافاً للقراءة الأولية، التي يرصدها المراقب المحايد، وهي قراءة مرتبكة تعتمد على أن فشل جولة الانتخابات الأولى، ستُحول لتأزيم الناخب التركي من موقف حزب العدالة، وأنه هذه المرة سيؤدي جولة تأديبية للحزب، بإسقاطه من المرتبة الأولى وتراهن المعارضة المتصارعة بينها أيديولوجيا وسياسيا على عدة عناصر لتحقيق رؤيتها:

1 - حيوية الإعلام المعارض المرتبط بجزء منه بما يسمّى الكيان الموازي، وقدراته على توتير الناخب التركي ضد العدالة، بين القضايا الإقليمية والاقتصادية المحلية.

2 - الحملة الإعلامية الغربية والأميركية الشرسة ضد حزب العدالة، خاصة مع حساباتها الإقليمية بين داعش والدولة الكردية المنفصلة، وهو ذات الخط الذي تعتمده إيران والنظام السوري.

3 - مجمل الحراك المسلح، خاصة ذي العلاقة بجناح صالح مسلم المرعي من إيران والذي اقترب الغرب منه كثيراً، ونقل صدى هذا الواقع المسلح المضطرب معه ومع داعش لتحميل العدالة مسؤوليته، في حين حقق حزب العدالة دورة استقرار تاريخية مع أكراد تركيا، نسفتها مغامرة حزب الشعوب والمعارضة، والتي انتقدها مسعود برزاني الذي يعاني من حملة كردية داخلية عليه بذات الحسابات.

4 - تسعى المعارضة أيضا لاستخدام فوضى داعش واستهدافها الجديد لتركيا، إضافة إلى التحريض على اللاجئين السوريين، كملف ضجيج إعلامي يُحمّل أردوغان المسؤولية، وبالتالي يقال للناخب التركي أن هذا من تبعة اختيارك للعدالة.

وموقف المعارضة اليوم يُسند بقرار ضمني دولي وإقليمي إيراني وجناح عربي، قلق من معادلة حزب العدالة في حرب داعش الدولية وقلبها لصالح الثورة السورية عبر المناطق الآمنة، خاصة في ظل صعوبات إيران الكبيرة في العراق واليمن، وعليه فإن نجاح العدالة في الانتخابات القادمة، يعزز قدراته لتحقيق هذه المعادلة على الأرض وتَقوى حسابات تركيا الاستراتيجية، التي كان المطلوب منها غربياً إسناد قواعدها لواشنطن، وفقا لخطة المواجهة مع داعش، التي تنفذها إيران على الأرض، وليس تحويل مسار المعركة لصالح تركيا أمام داعش والانفصاليين الأكراد.

ولا نقلل من صناعة هذه الثقافة الإعلامية، وتأثيراتها على الناخب التركي، وقرار تصويته، لكننا نعرض بالمقابل إلى ما راقبه الناخب التركي خلال هذه الفترة وبالتالي فهم رسالة أخرى قد تغيّر مجرى التصويت السابق لصالح العدالة وليس لإسقاطه:

1 - كان خروج أحمد داوود أوغلوا في خطابه التليفزيوني مرتبا وهادئا وهو يخاطب الناخب التركي بأنه سعى لتكوين التحالف الحكومي، لكن المعارضة اعتذرت دون أن يهاجمها، وكان الإعلام يرصد حجم الخلافات التي تفصل المعارضة عن بعضها البعض فضلا عن العدالة.

2 - نجح حزب العدالة في تغيير لغته، كما أن أردوغان تجنب ذكر النظام الرئاسي، وكذلك حزب العدالة سحب هذا الخيار من منصته، وكأنما أضحى قراراً مجمداً، وبقي تعزيز رسائل مكافحة الفساد وتنقية الحزب، وتحقيق مصالحة أو تحالف انتخابي بين أجنحته، وهو ما يوجد رسائل مباشرة له.

3 - اضطربت مؤشرات الاقتصاد التركي منذ تراجع حزب العدالة، وكان ذلك كافياً لتذكير الناخب بمسيرة الاستقرار والتنمية التي حققتها العدالة، وأن المقابل له من تحالف أحزاب متصارعة صعب أن يحقق هذا الدور.

4- انكشاف موقف التحالف السابق بين حزب الشعوب وحزبي الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري في اتحاد الحملات الانتخابية، وتوجيه الكتل التصويتية لهدف إسقاط العدالة، دون وجود أي قاعدة توافق لمشروع وطني وسياسي بديل، وهذا يعني أن الناخب التركي في توجيه المعارضة كان يُستخدم ككتلة تخريب لمشروع العدالة لا كتلة بناء بديل وطني.

5- قضية شرق تركيا الكردي قضية عميقة ومزدوجة بين الأناضوليين والكرد الأتراك، ورغم أن لوم العدالة على ما يعتبرونه تسامحا مع الأكراد لدى شريحة من الناخبين المحافظين، كما أن وضع حزب العدالة الوطني وجناحه الكردي الذي نجح في تحقيق توازن سابقا في واقع صعب، لتأثيرات الحرب بين تركيا وحزب العمال، والتي اشتعلت بعد استخدام الجناح المتطرف في «بي كا كا» لحزب الشعوب الكردي، ليكون أداة لإسقاط مشروع السلام وحصار موقف اوجلان وجناحه.

إلا أن تأملات الناخب التركي والكردي عميقة الوجدان، تَشعر بأن فتح باب الصراع لحرب دموية في جغرافية تركيا، وهو خيار سيتعزز بإسقاط العدالة، هو مستقبل مظلم لكلا القوميتين في تركيا، وأن عودة مشروع السلام هو الخيار الاستراتيجي للأمن القومي والسلم الأهلي عبر حزب العدالة.

وعليه فإن القراءة الأولية لهذا الحصاد ستكون حاضرة أمام الناخب التركي الذي يدرك تماما بأن هذا التوقيت الدقيق لا مساحة فيه لرهان كارثي رأى دلائل مقدماته، لا لقدرات ونجاح حزب العدالة فقط، ولكن لغياب موقف وقدرات المسؤولية الوطنية للمعارضة الرئيسية.

وعليه فإن حزب العدالة بثوب مُصحّح هو الخيار الأفضل لإنسان تركيا، بدل فتح وطنه لمسرح صراع، لا تخوضه المعارضة وحسب، بل أطراف الخارج من قبعة سام إلى نفط الخليج وعمائم ولي الفقيه.

عن الكاتب

مهنا الحبيل

كاتب وباحث إسلامي ومحلل سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس