ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

في أوج انتصارات الدولة الإسلامية وانكسار الصليبين قررت البابوية إرسال مبعوثيها إلى الشرق لدراسة الأوضاع العامة بهدف إضعاف تلك القوة ممثلة في دولة المماليك وعاصمتها القاهرة، أرسل الراهب فيدنزيو، الذي عاش في كنف الدولة الإسلامية ثلاثين عاما، تقريرا أوصى فيه تحويل تجارة الهند عن البحر الأحمر ومصر إلى إيران وأرمينية، ومنع تجارة العبيد من الوصول إلى مصر من البحر الأسود لإضعاف جيشهم، وتأكدت نفس التوصيات في التقرير الذي أرسله الرحالة الإيطالي مارينو سانودو، والذي ركز على وجوب إضعاف مصر وإفقارها اقتصاديا، وهو ما يمكن لبلدان الغرب أن تفعله دون خطر يتهددها، وصولا لدمارها اقتصاديا ومن ثم إسقاط الخلافة الإسلامية.

إلى موسكو يطير الرئيس التركي رجب طيب اردوغان منتصف الأسبوع الجاري، وذلك في أعقاب اتصال أجراه، نهاية الأسبوع الماضي مع نظيره الروسي لبحث هجمات النظام السوري على إدلب، والتي أعرب خلالها الرئيس التركي عن انزعاجه من هجمات النظام السوري على نقاط المراقبة التركية المتواجدة في الشمال السوري وفق الاتفاق المبرم بينهما.

وفي السياق قال الرئيس التركي إنه سيناقش التطورات في شمالي غرب سوريا مع نظيره الأميركي دونالد ترامب، في الأيام القادمة، وهو المتوقع أن يحدث قبل زيارته لروسيا، للتثبت من الموقف الأمريكي للبناء عليه في المباحثات التي سيجريها في موسكو، فلعبة التوازنات، والتي أتقنتها أنقرة خلال الأعوام الماضية تحتاج مزيدا من النظر، لاسيما أن المواقف الأوروبية، وفي القلب منها الموقف الفرنسي من روسيا، يشهد تقدما لافتا، على الرغم من تأكيد فرنسا موقفها بعد إقدام روسيا على تغيير المشهد في القرم ضاربة عرض الحائط بمسارات التفاهم الممكنة مع أوروبا في حينها.   

عملية استهداف الرتل التركي على مشارف خان شيخون كانت رسالة روسية للأتراك بأن تفاهمات المنطقة الآمنة يجب أن يعاد النظر فيها، وأن جلوس الأتراك مع الأمريكيين ووضع تفاهمات حول تلك المنطقة، ومن ثم إعادة ترتيب الأوراق التي نظمتها روسيا ووزعت فيها الأدوار مستأثرة بنصيب الأسد فيها لن تكون، فإعادة أمريكا إلى المشهد السوري كأحد الفاعلين‘ حتى ولو في الشمال أو الجنوب الغربي لن تقبله روسيا إلا من خلالها، لذا فإن لعب تركيا دور الفاعل الرئيسي واخذ وظيفة توزيع الأدوار غير مقبول لدى موسكو، مع ذلك فإن ملابسات ضرب الرتل التركي وتوقيته الذي وقع أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون لموسكو، يؤشر إلى أن تفاهمات غربية وتوافقات ترسم خريطة العلاقات في سوريا.

تقاطعات المصالح قد تبدي المشهد معقدا، وهي في الحقيقة شكل السياسة الدولية الجديد بعد الحرب الباردة، فتركيا عضو في حلف ناتو وتطمح - بقدر ما- إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وهناك شراكات تجارية تجمعها بإيران، وصورة العلاقات التركية - الروسية قد تبدو على شكل التحالف، لاسيما بعد إتمام صفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة أس 400، وأمريكا لا تنفك عن التذكير بالتحالف الاستراتيجي بينها وبين تركيا، لكن الحقيقة التي يجب أن تدرك هي أن كل هذه الأطراف لا تقبل بتركيا العدالة والتنمية أو بالأحرى (تركيا أردوغان) والكل يتعاون لكنه يعمل على تحجيم ذلك المارد القادم إلى عالم الكبار، لذا فإن أوروبا تؤخر قبول تركيا في اتحادها وإيران تدفع ميليشياتها لإفساد تحركات تركيا من أجل تأمين السوريين، وروسيا تعمل على تحجيم الدور التركي دون أن تخسره مرحليا، وأمريكا وأوروبا مجتمعين أعلنوا الحرب الاقتصادية على تركيا لإضعافها وإثارة الشارع ضد إدارة أردوغان بعد فشل الانقلاب.

إن كان مارينو سانودو قد توفى سنة ١٣٣٨ لكن خطته لا زالت فاعلة ويتم العمل بها على اختلاف الزمان والمكان والإمكانيات والأدوات، كل شيء تطور لكن الهدف واحد، وقدر تركيا العدالة والتنمية أن تقاوم من أجل إعادة مجد أسقطه الغرب ويكره أن يعود.  

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس