محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

يوما بعد يوم تنكشف الكثير من الأمور التي كان منتظرًا لها أن تظهر في المسألة الليبية وخصوصًا فيما يخص الاصطفافات الدولية والمحلية، فقد باتت المسألة الليبية تتغلب على الكثير من المعضلات الدولية الخلافية بين الدول الكبرى وحلف الناتو من جهة وروسيا وربما مع الصين أيضا من جهة أخرى.

ليبيا بموقعها الاستراتيجي تعتبر حلقة وصل مهمة بين شرق الوطن العربي وغربه، وسياحيا فإن قرب ليبيا من الأسواق السياحية الرئيسية المتمثلة في دول أوروبا الغربية، وارتباطها بدول الجوار بشبكة من الطرق المعبدة يجعل الوصول إليها يسيرا سواء عن طريق البحر أو البر أو الجو.

ومثلما ليبيا هي قلب العالم العربي وحلقة الوصل بين الشرق العربي وغربه وحلقة الوصل بين أوربا وأفريقيا والدول العربية، فإن مدينة سرت تعتبر قلب ليبيا ورباط  شرقها مع غربها وساحلها مع داخلها وتعد واحدة من أهم المناطق في خريطة النزاع الليبي، لامتلاكها ميزات عدة، فهي تقع في منتصف المسافة تمامًا، بين عاصمتي النزاع الليبي الحالي بنغازي، وطرابلس، حيث تبعد عن كليهما مسافة 500 كيلومتر، بالإضافة إلى مميزاتها الجيوستراتيجية، والتاريخية، والاقتصادية.

واقتصاديًا، يحوي باطن سرت أكبر مخزون للغاز المكتشف في ليبيا، في حوض يسمى "حوض سرت"، الذي يعد واحدًا من أهم أسباب التنافس المحموم بين إيطاليا، وفرنسا في الملف الليبي، والجدير بالذكر أن الشركتين العملاقتين "إيني وتوتال"  تخوضان صراعًا منذ سنوات، للفوز بحصة الأسد في الامتيازات المستقبلية للتنقيب، والاستثمار في هذا الحوض الكبير، الذي يحوي أيضًا مخزونًا لا بأس به من النفط، بحسب المعلومات الواردة عن المؤسسة الليبية للنفط.

إذن تبدأ المعضلة الأولى بالحرص الفرنسي بواسطة شركته "توتال" على الاستحواذ على حصة الأسد مستقبلا في الامتيازات المستقبلية فيها وبالتأكيد فإن إيطاليا تبحث أيضا عن فرصة ذهبية لنفس الامتياز.

لو تركنا المنافسة الدولية المتمثلة بالشركات العملاقة للاستحواذ على منابع الطاقة في الوطن العربي وأهمها الغاز فإننا لا ننسى أن هناك الكثير من الأمور هي التي تحتم على جبهة الوفاق أن تتريث أو تتباحث قبل الإقدام على خطوات أخرى لبسط نفوذ الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا حيث المستجدات المتتالية والمتسارعة وهي:

أولًا: الاصطفاف الفرنسي غير المسؤول مع التوجه الروسي في دعم حفتر  لمحاربة جبهة الوفاق وحليفتها تركيا والتي اعتبرت مشاغبة سياسية آنية بدون هدف حقيقي سوى إبداء العداء لجبهة تركيا والوفاق دون أي احتساب لمصلحة دول حلف الناتو.

ثانيًا: دخول مرتزقة فاغنر كواجهة للقوات الروسية في احتلالها أراضي ليبية قريبة من سرت ودعمها لقوات حفتر بصورة غير مباشرة دون إثارة حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة معًا.

ثالثًا: وبالنظر لتطور مهمات المليشيات الروسية وإمداد حفتر بالطائرات المقاتلة والمرتزقة السوريين أصبح لزامًا على قيادة الحلف أن تتدخل لمنع تطور الاستباق الروسي.

رابعًا: تنظر الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي إلى وجود روسيا في قلب شمال أفريقيا أكبر تهديد لدول الحلف الأوروبيين بعد استطاعتها تثبيت موضع انطلاق لها في سوريا والقرم، مما يعني أن أي خلل في وحدة حلف شمال الأطلسي والتهاون في رد الأطماع الروسية سيكون صعبا جدا في المستقبل بعد فوات الأوان.

خامسًا: يتحتم على تركيا في ظل هذه التطورات والأطماع وإجراءات الحلف للحفاظ على مواقع نفوذها أن تتحرك بخطى ثابتة ومتناسقة بالتمام مع حلف شمال الأطلسي خوفًا من انهيار وحدة الحلف وخصوصًا بعد قيام ماكرون فرنسا بمعاداة تركيا العضو في حلف الناتو واحتدام الخلاف بين البلدين في البحر المتوسط.

سادسًا: لكل هذه الأوضاع ووجود خلط حقيقي للأوراق بسبب التصرفات غير المسؤولة من جانب فرنسا والإمارات ومصر ضد الحكومة  الشرعية المعترفة بها دوليا وبالأخص فرنسا التي همشت حلف الناتو فإن الولايات المتحدة ستلجأ إلى أسلوب الضغط على فرنسا العضو في الناتو حتى تعيد ترتيب أوراقها وتمتنع عن دعم حفتر وبنفس الوقت تمارس ضغطا ضد مصر والإمارات لذات الغرض لغرض ترك روسيا لوحدها مع حفتر.

وعليه فإن حكومة الوفاق والحليف التركي سيتقيدون تماما عند الإقدام على أي خطوة باتجاه سرت بدون التنسيق المباشر والفعال مع زعامة حلف الناتو والولايات المتحدة ولا أتصور أن يكون هناك تقدم أو معارك لاستعادة سرت قبل البحث عن طريقة لإنهاء النفوذ الروسي في مناطق ليبيا الشرقية والداخلية والغنية بالموارد الاستراتيجية.

وحتما فإن كل من كان حليفًا لحفتر عليه أن يتراجع عن تأييده ويجمد وينهي حلفه معه بعد ورود مؤشرات من جانب الولايات المتحدة زعيمة حلف الناتو بتأييد حكومة الوفاق ودعمه، وإنهاء عهد ودور حفتر التخريبي في ليبيا وكل مؤيديه ومؤازريه.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس