ترك برس

رصد مقال للكاتب والخبير التركي نيدرت إيرسانال، في صحيفة يني شفق، حالة القلق التركي تجاه زيارة البابا، موضحاً أن مصدر هذا القلق لا ينفصل عن سياقات تاريخية ودينية وجيوسياسية تشكّل ذاكرتها المؤسسية.

يرى الكاتب أن التقاطعات بين الفاتيكان، والبطريركية الأرثوذكسية، والحرب الأوكرانية، تُعيد إلى الواجهة دور "الثيوسياسة" في إدارة الصراعات العالمية، ولا سيما مع توسّع نفوذ البطريرك في ملفات تتماسّ مع مصالح تركية حسّاسة.

كما ينتقد تردّد البابا في اتخاذ موقف عملي تجاه ما يجري في غزة، رغم رمزية موقعه الأخلاقي. وفي القسم الثاني، ينتقل المقال إلى تحليل ملامح خطة السلام الأميركية في أوكرانيا، وتراجع المواقف الأوروبية المتشدّدة، وصعود التنسيق بين واشنطن وموسكو، مترافقًا مع أدوار اقتصادية لشخصيات مثل كوشنر وويتكوف تشير إلى هندسة تُعيد ترتيب ما بعد الحرب.

وفيما يلي نص المقال:

إذا كنتم تشعرون بالقلق من زيارة البابا إلى تركيا، فلا ينبغي أن يكون مصدره مجرد افتراض بسيط مفاده: "إنهم يدبرون شيئاً ما مجددا". فلو تُرِك الأمر لهم لفعلوا ذلك حقا. من ناحية أخرى، فإن "الارتياب" هو رد فعل أمني، ولكن فقط عندما تضعه في سياقه الصحيح…

ومن حقنا أن "نَشُك"، فعلى مر القرون التي عشناها في هذه الأراضي، شهدنا مئات الأحداث المماثلة بسبب من قالوا: "دعونا لا نشكك في النوايا". بل يجب علينا أن نفعل ذلك.

وتذكرون أن اختيار البابا الحالي ارتبط كثيرًا بكونه "أمريكيا". وقد فسر كثيرون وصول "البابا الأمريكي" إلى الفاتيكان، بالتزامن مع حرب أوكرانيا ومع انتخاب ترامب بصورة خاصة، ضمن سياقٍ يمكن أن يقدم "إسهاماً لاهوتياً سياسياً" للمنافسة الدائرة بين الولايات المتحدة وأوروبا وأوكرانيا وروسيا والكنائس.

ومن المعروف أن بعض الباباوات في الماضي قد شاركوا في المحافل العالمية، وخاصة خلال فترة الحرب الباردة. (وكما هو معلوم فإن محاولة اغتيال البابا البولندي يوحنا بولس الثاني على يد محمد علي أغجا في مايو 1981 وُضعت في هذا السياق).

وللحرب الأوكرانية أيضًا جانب ثيوسياسي لم يُسلط الضوء عليه، ولكنه دُفع إلى الساحة. وكنائس كييف وإسطنبول والأرثوذكسية الروسية هي أطراف طبيعية في هذا. وقد أدى ذلك إلى انقسامات بينها، وتطورت ساحة منافسة، وغُذيت هذه الساحات من قبل جبهات السياسة الدولية.

وإذا كان ثمة من يرى أن "البطريرك" قد يكون أحد العوامل المُيسّرة لهذه الحرب لصالح الغرب، وأداةً في العملية المعادية لروسيا، فلا يمكننا لومهم. إذ شهدنا كيف استقبله الرئيس ترامب شخصياً في المكتب البيضاوي، ثم كيف نُقلت مطالب باسم البطريرك إلى الوفد التركي الذي زار واشنطن لاحقاً.

في تركيا، تشتكي كثير من الأوساط من أن البطريرك، الذي وصل به الأمر إلى دعوة البابا لزيارة تركيا، قد تجاوز حدوده وتمادى. وهناك مطالبات بتذكيره بالخطوط الحمراء.

ولا يمكن تجاهل الرأي القائل إن المساحة الدولية التي مُنحت له قد تُستخدم لتسهيل أجندته الخاصة. ولندعهذا القول جانباً الآن، ولكن لنضع في الحسبان أيضًا احتمالَ الادعاء أو التفسير الذي يرى أن "البطريرك" - الذي أُفسح له مجالات ومساحات أوسع بسبب أوكرانيا إلى جانب "البابا الأمريكي" - يتم تشجيعه من قبل الغرب على الأقل في هذا الشأن.

أما أن يتفق الفاتيكان والكنيسة الأرثوذكسية على "مهمتهما الأصلية" ويشنّا حملة صليبية من هذا المنطلق، فذلك يبدو مستبعداً من الناحية التقنية. لكن هذا الواقع لا يعني أن نتخلى عن الحذر. إن تسامح أنقرة واستقبالها الرفيع لـ "القيادتين الدينيتين" له سببان: الأول: تحقيق أقصى استفادة من المزايا التي يوفرها نفس الظرف الراهن لتركيا دون الانشغال بالقضايا الهامشية. والثاني: أن تركيا الجديدة لديها القدرة على تطبيق الإجراءات "الضاغطة" بسهولة لمواجهة مثل هذه الانحرافات.

وإذا أردنا توجيه نقد خاص للبابا، فيجب أن يكون عبر موقفه من الإبادة الجماعية الإسرائيلية وفلسطين وغزة. صحيح أن الفاتيكان يعرب رسمياً عن حزنه وإدانته لما يحدث، ولكن كان ينبغي أن يترجم موقفه المختلف عن جميع الدول إلى فعل ملموس. نحن نعلم أن الدول الأخرى لم تستطع اتخاذ مثل هذه الخطوة، ولم تجرؤ على التحرك بشكل جماعي رغم الفرص التي أتيحت لها. لكن البابا كان بإمكانه فعل ذلك.

في الواقع، هذا هو المقصود من إشارة الرئيس أردوغان في خطابه الترحيبي إلى أن إسرائيل قصفت ودمرت الكنائس الكاثوليكية أيضاً.

وكان ينبغي للبابا، الذي يؤطر وجوده حول فكرة تكريس حياته لله وخدمة البشرية، أن يزور المنطقة التي تحتوي على الجذور الأساسية لجميع الأديان كافة بما فيها المسيحية، وأن يكون مستعدًا لأن يتسخ معطفه الأبيض الناصع. فلو كانت لديه النية حقا، لما تمكن أحد من إيقاف طائرة الفاتيكان. فهل كان "ظل الإله على الأرض" ليخاف من نتنياهو؟ ما الذي كان يمكن أن يوقف مثل هذه المبادرة التي كانت ستكون مفيدة جداً حينها؟ ستكون جميع الإجابات سياسية، وهذا ما يخل بوضع الكنيسة، وقد أخل به بالفعل.

"ترتيبات" ستُغير الجيوسياسية التركية...

إن عملية السلام الأمريكية، التي شاركنا أسبابها ونتائجها يوم الأربعاء، لا تزال تتقدم. وخلال الأيام القليلة الماضية، رأينا مدى ضيق أوروبا. وفي الوقت ذاته، شهدنا قيام بريطانيا وفرنسا نسبيًا بتصحيح مسارها. أما ألمانيا والاتحاد الأوروبي، فرغم استمرار شكاويهم "الحربية"، ورغم أن السلام لا يزال يتطلب الوقت والعمل الدقيق، وحتى مع بعض محاولات التخريب الداخلية، فإن البيت الأبيض والكرملين يحافظان على موقفهما الثابت.

يبدو أن أوروبا استوعبت صدمة الاقتراح الأمريكي المكون من 28 بنداً. وقد انتقلوا إلى مرحلة "ماذا يمكننا أن نفعل؟". كما أعدوا اقتراحاً مضاداً، ولكن كلمة "مضاد" لا تعني تجاهل المطالب الروسية (أو لا تستطيع تجاهلها). ويستمر الخطاب المعادي لروسيا، ولكن حتى لندن قالت: "نتفق على جهود إحلال السلام"، وباريس كذلك. وقال ماكرون: "لدينا أخيراً فرصة للتقدم نحو السلام، ويجب أن نستغلها". مع أن هاتين العاصمتين كانتا من أبرز الأطراف في التحالف المعادي لروسيا.

كما التقى مسؤولون أمريكيون وروس في الإمارات العربية المتحدة. وأعلنت موسكو أن "ترامب وبوتين توصلوا إلى اتفاق حول طرق إنهاء هذا الصراع". كما أن البند الأكثر انتقاداً في الخطة الأمريكية، وهو تنازل أوكرانيا عن أراضيها لروسيا، تراجع بشكل طفيف، أوبمعنى أدق أصبح هذا البند أقل وضوحًا. وحوّل التركيز إلى: "على أي حال، سيستولي الروس على تلك المناطق بمرور الوقت". أي أن الوضع الميداني يستمر في إعادة ترتيب الطاولة.

والآن، إذا لم يطرأ تغيير في اللحظة الأخيرة، فإن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيتوجهان للقاء بوتين. يجب أن نفكر ملياً في هذه الأسماء. هذه الشخصيات لا تنظر إلى القضية من منظور الحرب. ليس بمعنى الحياد، لكنهم سياسيًا ليس لديهم شخصية مستقلة. إنهم يتجهون نحو الهندسة الأمنية عبر بوابة الاقتصاد العالمي. وهذا يشير إلى نهاية الحرب وما بعدها.

والآن ستدخل الصين على الخط أيضاً، فالموارد الروسية، وفي مقدمتها الطاقة، والمشهد المحتمل لما بعد الحرب، يتطلبان صعود بكين إلى المسرح.

وخلاصة هذه الصفحة من يوميات السلام هي: روسيا تكسب والغرب يواجه هذه الحقيقة، وحكومة كييف تغرق في الفساد والتنافس الداخلي، وبوتين وترامب يسيران معاً.

سنواصل المتابعة..

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!