
ترك برس
تشهد السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الأخيرة توجها متصاعدا نحو القارة الأفريقية، حيث تعزز أنقرة حضورها عبر مقاربات مدروسة تجمع بين الدبلوماسية والأمن والاقتصاد، مع تركيز خاص على دول ليبيا والسودان والصومال بوصفها بوابات إستراتيجية لإعادة ترسيخ النفوذ التركي في أفريقيا.
ولم تعد أفريقيا مجرد هامش في السياسة الخارجية التركية، بل تحولت خلال العقد الأخير إلى إحدى الساحات المركزية التي تتحرك فيها أنقرة بثقة ووضوح. فبينما يشهد النظام الدولي تحولات عميقة وتراجعا نسبيا لأدوار تقليدية لقوى كبرى، تسعى تركيا إلى ترسيخ حضورها بوصفها فاعلا إقليميا ودوليا قادرا على الجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والأمن والبعد الإنساني.
وتبرز دول مثل ليبيا، والسودان، والصومال كنماذج كاشفة لهذا التوجه، حيث تتقاطع المصالح الجيوسياسية مع حسابات الاستقرار الإقليمي، وتوظف العلاقات التاريخية والثقافية لبناء شراكات طويلة الأمد، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت".
وفي هذه الدول الثلاث لا تتحرك تركيا بردود أفعال آنية، بل وفق رؤية تسعى إلى ملء فراغات النفوذ، وحماية مصالحها الإستراتيجية، وتقديم نفسها شريكا لا وصيا، وحليفا لا متدخلا.
ليبيا.. سياسة التوازن بين الشرق والغرب
تعد ليبيا من أكثر الملفات تعقيدا في السياسة الخارجية التركية، لكنها في الوقت ذاته إحدى أكثر الساحات التي أظهرت فيها تركيا قدرة لافتة على إدارة التوازنات.
فبعد سنوات من الانخراط الواضح إلى جانب حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في طرابلس، أدركت تركيا أن تجاوز الواقع السياسي والعسكري في شرق ليبيا، حيث يفرض خليفة حفتر نفسه كسلطة أمر واقع، لم يعد خيارا عمليا، بل مقاربة سياسية لا بد من التعامل معها.
ويعكس هذا التحرك التركي إقرارا بعدم إمكانية تجاوز خليفة حفتر، باعتباره يمثل سلطة ليس من السهل إزاحتها في المدى القريب أو المتوسط دون تدخل عسكري واسع لا تتوافر مقوماته حاليا. ومن هذا الأساس اتجهت أنقرة إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على الانفتاح المتدرج على الطرفين، دون التفريط في تحالفاتها الأساسية.
تسعى تركيا اليوم إلى الاستفادة من تراجع النفوذ الروسي في ليبيا، وهو تراجع فرضته انشغالات موسكو بالحرب في أوكرانيا، إضافة إلى خسارتها أوراقا إستراتيجية في شرق المتوسط بعد التحولات التي شهدتها سوريا. وفي هذا السياق تقدم أنقرة نفسها كضامن محتمل للأمن في الضفة الجنوبية للمتوسط، وكشريك قادر على سد الفراغات التي تركها انسحاب أو انكفاء قوى أخرى.
وينظر إلى ليبيا، في حال نجحت تركيا في تثبيت حضور إستراتيجي بها، بوصفها بوابة للتوسع التركي الأوسع داخل أفريقيا، خصوصا في منطقة الساحل التي تشهد بدورها تحولات أمنية متسارعة.
ورغم انفتاحها على الشرق الليبي مع الحليف الجديد اللواء خليفة حفتر، لم تتخلّ تركيا عن شراكتها مع حكومة عبد الحميد الدبيبة في الغرب. فقد وقعت أنقرة وطرابلس اتفاقا لتعزيز الشراكة العسكرية، شمل التدريب المتقدم وتبادل الخبرات والدعم اللوجيستي، في رسالة واضحة بأن التحالف القائم لا يزال ثابتا.
كما أعادت الخطوط الجوية التركية تشغيل رحلاتها المباشرة إلى مصراتة بعد توقف دام عشر سنوات، في مؤشر اقتصادي وسياسي على عمق العلاقة.
ووافق البرلمان التركي خلال الأيام الماضية على تمديد مهمة القوات التركية المتواجدة في ليبيا لمدة عامين، بدءا من الثاني من يناير/كانون الثاني المقبل، وذلك بموجب مذكرة مقدمة من الرئاسة لمنح الرئيس أردوغان الصلاحية لتمديد بقاء القوات في ليبيا.
وحرصت تركيا كذلك على المشاركة في مراسم تأبين ضحايا الطائرة الليبية المنكوبة في طرابلس، عبر تمثيل رئيس الأركان التركي سلجوق بيرقدار أوغلو لتركيا في هذه المراسم، لتشييع ضحايا الطائرة التي كانت تقل رئيس الأركان الليبي الراحل محمد الحداد وأربعة مرافقين آخرين، في خطوة توضح حرص أنقرة على الحفاظ على العلاقة الوثيقة مع المجلس الرئاسي الليبي والحكومة الليبية في الغرب، بقيادة كل من المنفي والدبيبة.
في المقابل، ينظر خليفة حفتر إلى تحسين العلاقات مع تركيا ضمن إستراتيجيته الأوسع لتنويع الشراكات الدولية وكسب اعتراف أوسع بسلطته. وتعد الزيارات المتكررة لنجله صدام حفتر إلى أنقرة مؤشرا على رغبة متبادلة في فتح صفحة جديدة، قد تمنح حفتر هامش مناورة أكبر في مواجهة خصومه، وتمنح تركيا نفوذا أوسع في شرق ليبيا.
وعلى المستوى الإقليمي، يثير هذا التقارب قلق اليونان، ويقلص من قدرة مصر على استخدام الملف الليبي كورقة ضغط ضد تركيا، في وقت تبدو فيه أوروبا أقل استعدادا للدخول في صدام مع أنقرة، خاصة إذا ارتبط الدور التركي بكبح الهجرة غير النظامية من السواحل الليبية.
السودان.. شراكة إستراتيجية في زمن الأزمات
تتحرك تركيا في السودان في سياق مختلف، لكنه لا يقل أهمية عن غيره من التحركات في القارة الأفريقية. فزيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إلى تركيا قبل أيام حملت دلالات سياسية واضحة، ليس فقط من حيث التوقيت، بل من حيث الخطاب الذي رافقها.
وصف البرهان العلاقات مع تركيا بأنها إستراتيجية، مؤكدا أن بلاده وجدت في أنقرة دعما صادقا دون رياء أو نفاق، في إشارة إلى مواقف تركية ثابتة خلال الأزمة السودانية، معتبرا أن تركيا تمثل دولة محورية إقليميا، ويمكن أن تلعب دورا داعما لاستقرار السودان ووحدة أراضيه.
وكشفت تصريحات البرهان عن تقدير كبير للدور الذي يلعبه الرئيس التركي أردوغان، الذي أدلى خلال فترة وجيزة بعدة تصريحات بشأن مأساة السودان، ما عكس، بحسب البرهان، مكانة السودان في الرؤية التركية.
ومن جهته شدد أردوغان، خلال لقائه البرهان في المجمع الرئاسي بأنقرة بعد مراسم استقبال رسمية، على حرص تركيا على وحدة أراضي السودان، وسعيها إلى تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، مؤكدا أن الاستقرار هو المدخل لأي حل سياسي مستدام.
العلاقات التركية السودانية لا تقتصر على البعد السياسي فحسب، بل تمتد إلى مجالات عدة. ووفق ما نشرته الصفحات الرسمية لمجلس السيادة السوداني، هناك حديث رسمي عن تفعيل اتفاقيات سابقة، وتوقيع تفاهمات جديدة تشمل مجالات الاقتصاد والزراعة والموانئ وإعادة الإعمار والتعاون الدفاعي العسكري، فضلا عن الدور الإنساني الذي تلعبه المؤسسات التركية، وعلى رأسها مؤسسة الهلال الأحمر التركي.
وقد تعهد البرهان، خلال لقائه مع أردوغان، بتسهيل دخول المساعدات التركية الإنسانية وتوفير مستودعات لها، بعد أن شكر جهود الهلال الأحمر التركي على الدعم الإنساني والصحي، ووعد بالقيام باللازم لتسهيل عمله، في خطوة تعكس رغبة الخرطوم في تعزيز هذا التعاون مع أنقرة.
ورغم الجدل الذي أثارته الزيارة بين من اعتبرها خطوة إستراتيجية، ومن رأى فيها تحركا بروتوكوليا محدود الأثر، فإن المؤكد أن تركيا بات ينظر إليها كفاعل قادر على لعب دور داعم لاستقرار السودان، في ظل تشابك الأزمات الإقليمية وتراجع اهتمام بعض القوى التقليدية.
الصومال.. دفاع عن السيادة في القرن الأفريقي
يتخذ الحضور التركي في الصومال طابعا أكثر وضوحا وحسما، خاصة فيما يتعلق بمسألة السيادة ووحدة الأراضي. فقد جاء الموقف التركي الرافض اعتراف إسرائيل باستقلال "إقليم أرض الصومال الانفصالي" ليؤكد مجددا أن أنقرة ترى في الصومال شريكا إستراتيجيا، لا مجرد ساحة نفوذ.
واعتبرت الرئاسة التركية ووزارة الخارجية هذا الاعتراف انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وتدخلا غير مقبول في الشؤون الداخلية لدولة الصومال. وأعلن رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران رفض بلاده هذا الاعتراف، مؤكدا أن الخطوة تستهدف سيادة الصومال ووحدة أراضيه، وتفاقم الوضع الهش في المنطقة.
وفي السياق ذاته، وصف متحدث وزارة الخارجية التركية أونجو كتشالي الإعلان الإسرائيلي بأنه مثال جديد على الأعمال غير القانونية التي تنتهجها حكومة تل أبيب، مؤكدا أن القرارات المتعلقة بمستقبل جمهورية الصومال الفدرالية يجب أن تتخذ بما يعكس إرادة جميع الصوماليين.
وأكدت تركيا أن أي قرارات تتعلق بمستقبل الصومال يجب أن تنبع من إرادة الشعب الصومالي نفسه، لا من تفاهمات خارجية تفرض بالقوة أو تمرر عبر المصالح الضيقة.
يعكس هذا الموقف اتساقا في السياسة التركية تجاه الصومال، الممتدة منذ أكثر من عقد، وتشمل دعما أمنيا وعسكريا، واستثمارات في البنية التحتية، وحضورا إنسانيا وتنمويا واسعا. وبذلك تقدم تركيا نفسها كضامن لوحدة الدولة الصومالية في مواجهة مشاريع التقسيم، وكطرف يسعى إلى استقرار طويل الأمد في منطقة تعاني من هشاشة مزمنة.
تكشف العلاقات التركية مع ليبيا، والسودان، والصومال عن ملامح سياسة أفريقية أكثر نضجا وبراغماتية، تقوم على الجمع بين المصالح والأخلاق، وبين الواقعية السياسية والالتزام المبدئي بوحدة الدول واستقرارها.
ففي ليبيا تراهن تركيا على التوازن بدل الاصطفاف مع طرف دون الآخر، وفي السودان تسعى إلى شراكة إستراتيجية في زمن الانقسام، وفي الصومال تقف بوضوح إلى جانب الشرعية والسيادة.
وبين هذه الملفات الثلاثة، يتضح أن تركيا لا تبحث عن نفوذ عابر، بل عن دور مستدام يعيد رسم حضورها في أفريقيا كقوة شريكة لا قوة مفروضة، في عالم تتغير خرائطه بسرعة، وتعاد فيه صياغة موازين القوة من جديد.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











