ترك برس

يرى رئيس دائرة الاستخبارات السابق في القوات الجوية التركية، غورسل توكماك أوغلو، أن مفهوم السيادة في النظام الدولي لم يعد مرتبطا بالاستقلال القانوني للدول وحده، بل بات يرتبط بقدرتها الفعلية على اتخاذ قراراتها الاستراتيجية بعيدا عن الضغوط والتبعية للقوى الأكبر.

وفي مقال نشره موقع Independent Türkçe، يوضح توكماك أوغلو أن علاقات "التبعية الإقطاعية" التي كانت قائمة في العصور الوسطى على الأرض والخدمة تحولت في العصر الحديث إلى أشكال غير مباشرة من الاعتماد، تظهر بصورة خاصة في مجالات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا.

ويطلق الكاتب على هذه الظاهرة مفهوم "التبعية الحديثة" أو "التبعية الجديدة"، مشيرا إلى أن الدولة قد تحتفظ بعلمها وحكومتها ومؤسساتها وسيادتها القانونية، لكنها تجد نفسها في الواقع مقيدة في قراراتها المتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية والاقتصاد.

من التبعية التقليدية إلى «التبعية الحديثة»

يعرّف توكماك أوغلو التبعية الحديثة بأنها الحالة التي تبدو فيها الدولة ذات سيادة من الناحية القانونية، لكنها تكون مرتبطة بصورة هيكلية بقوة أكبر منها في المجالات التي تحدد خياراتها الاستراتيجية.

ويحدد الكاتب عدة مؤشرات لهذه العلاقة، في مقدمتها وجود فجوة بين السيادة الشكلية والقدرة الفعلية على اتخاذ القرار.

ويقول إن الدولة قد تحتفظ بمؤسساتها الوطنية، لكن هامش المناورة لديها يضيق عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية أو منظومة الأمن أو الخيارات الاقتصادية الحيوية.

كما يرى أن الاعتماد العسكري يمثل أحد أهم أشكال هذه التبعية، من خلال القواعد الأجنبية وأنظمة التسليح وتبادل المعلومات الاستخبارية ومظلات الدفاع الجوي والبحري.

ويضيف أن النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي يمكن أن يؤدي الوظيفة نفسها، عبر الديون والاعتماد على الطاقة والحصول على التقنيات الحيوية والاتفاقيات غير المتكافئة.

لكن الكاتب يشدد في الوقت نفسه على أن هذه العلاقة لا تقوم دائما على الإكراه.

فقد تختار الدولة الأضعف، بحسب تحليله، هذا النوع من الاعتماد بشكل واعٍ، خصوصا عندما ترى فيه وسيلة لحماية النظام السياسي أو مواجهة تهديدات إقليمية.

التبعية تختلف عن التحالف

ويحذر توكماك أوغلو من الخلط بين التبعية الحديثة والتحالف التقليدي.

ففي التحالف، كما يقول، تكون المصالح المتبادلة والتعاون بين الأطراف هي الأساس، بينما تصبح عدم المساواة وضمانات الأمن أحادية الجانب أكثر أهمية في علاقات التبعية الحديثة.

ويرى أن الظاهرة تتقاطع أيضا مع سياسة الانضمام إلى جانب القوة الأقوى، إلا أن هناك اختلافا مهما؛ إذ إن الانحياز قد يكون تكتيكيا ومؤقتا، في حين تمثل التبعية الحديثة علاقة هيكلية مستمرة.

الشرق الأوسط.. الأمن بالوكالة ومحاولات الخروج من التبعية

يعتبر الكاتب الشرق الأوسط من أبرز المناطق التي يمكن من خلالها رصد هذه العلاقات، نظرا إلى ارتباط عدد من الدول بقوى خارجية في مجالات الأمن والتمويل والخدمات اللوجستية.

ويرى أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل عام 2026 زادت من وضوح هذه الديناميات، ودفعت العديد من الأطراف إلى إعادة النظر في حساباتها الاستراتيجية.

ويحدد توكماك أوغلو ثلاثة مسارات رئيسية في المنطقة.

الأول هو "التعاقد الأمني"، مشيرا إلى اعتماد دول الخليج على الوجود العسكري الأمريكي.

والثاني هو علاقات الوكالة وما يسميه "التبعية الفرعية"، في إشارة إلى شبكة القوى المرتبطة بإيران ضمن ما يعرف بمحور المقاومة.

أما المسار الثالث فيتمثل في محاولات بعض الدول تقليص اعتمادها على قوة واحدة، ويشير هنا إلى توجه السعودية نحو تنويع شراكاتها، بما في ذلك المسار التركي-الباكستاني.

ويرى الكاتب أن هذه التطورات تؤكد أن التبعية الحديثة ليست حالة ثابتة، وإنما يمكن التفاوض بشأنها وإعادة صياغتها عندما ترتفع تكلفتها على الدولة المعنية.

أمريكا الوسطى.. هامش استقلال محدود

ينتقل توكماك أوغلو إلى أمريكا الوسطى، التي يعتبرها من أكثر المناطق التي تظهر فيها علاقات التبعية بصورة مستمرة.

ويقول إن القرب الجغرافي والاندماج الاقتصادي والاعتماد الأمني جعلت المنطقة منذ فترة طويلة ضمن دوائر النفوذ الرئيسية للولايات المتحدة.

ويشير إلى دول مثل السلفادور وغواتيمالا وهندوراس وبنما، التي ترتبط بواشنطن بعلاقات واسعة في مجالات مكافحة المخدرات والهجرة والأمن.

ويرى أن الحضور الاقتصادي الصيني يوفر لهذه الدول هامشا محدودا للموازنة، لكنه لا يزيل القيود التي تفرضها الولايات المتحدة، خصوصا فيما يتعلق بالبنية التحتية الحيوية.

ويخلص إلى أن محاولات الاستقلال الاستراتيجي في أمريكا الوسطى لا تزال ضعيفة وذات طابع رد فعلي بسبب محدودية القدرات المتاحة لهذه الدول.

جنوب آسيا.. الموازنة بين القوى

يصف الكاتب جنوب آسيا بأنها أكثر تعقيدا، بسبب وجود مستويين من عدم التوازن: التفوق الإقليمي للهند من جهة، والتنافس بين القوى الكبرى على النفوذ من جهة أخرى.

ويعتبر الهند من أكثر الدول التي تطبق مفهوم الاستقلال الاستراتيجي بصورة منهجية.

ويشير إلى أن نيودلهي تعمق التعاون الدفاعي والتكنولوجي مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقاتها في مجال الطاقة مع روسيا، وتدير منافستها واعتمادها الاقتصادي على الصين.

ويرى أن هذه السياسة تمثل نموذجا لما يمكن تسميته "تعدد الاصطفافات"، حيث لا تنضم الدولة بشكل كامل إلى معسكر واحد، وإنما تحاول الاستفادة من علاقاتها مع أطراف متنافسة والحفاظ على هامش مناورة خاص بها.

أما الدول الأصغر في المنطقة، فيقول الكاتب إنها تحاول بدورها تحقيق قدر من المرونة الاستراتيجية من خلال موازنة علاقاتها بين الهند والصين.

إفريقيا.. الخروج من تبعية قد يقود إلى تبعية جديدة

يرى توكماك أوغلو أن إفريقيا تمثل إحدى المناطق التي تمتلك فيها علاقات التبعية جذورا تاريخية عميقة.

ويستحضر بصورة خاصة نموذج النفوذ الفرنسي في إفريقيا، الذي اتخذ بعد انتهاء الاستعمار شكل علاقات أمنية وسياسية واقتصادية عرفت في الأدبيات باسم "فرانك أفريك".

ويشير إلى أن الانقلابات العسكرية التي شهدتها منطقة الساحل منذ بداية العقد الحالي وانسحاب فرنسا من أجزاء من المنطقة أضعفا هذا النموذج بصورة كبيرة.

لكن الكاتب يحذر من أن خروج قوة لا يعني بالضرورة انتهاء التبعية.

فبحسب تحليله، دخلت روسيا إلى بعض الفراغات الأمنية التي خلفتها فرنسا، من خلال نموذج يقوم على توفير الحماية للأنظمة مقابل الحصول على النفوذ والموارد.

وفي المجال الاقتصادي، يرى أن الصين أصبحت لاعبا رئيسيا من خلال الاستثمارات في البنية التحتية وتجارة المعادن الحيوية والتمويل.

ويحذر من أن ذلك قد يؤدي إلى استبدال شكل من أشكال التبعية بآخر بدلا من تحقيق استقلال فعلي.

«الاستقلال الاستراتيجي» كخيار بديل

في مواجهة هذه العلاقات، يضع توكماك أوغلو مفهوم الاستقلال الاستراتيجي باعتباره الأداة الأساسية التي يمكن للدول من خلالها تقليص عدم التوازن.

ويعرّفه بأنه قدرة الدولة على تحديد مصالحها الوطنية وصياغة سياستها الخارجية وخياراتها الأمنية وتنفيذها دون الوقوع في اعتماد مفرط على قوة أخرى.

لكن الكاتب يشدد على أن الاستقلال الاستراتيجي لا يعني العزلة أو الاكتفاء الذاتي الكامل.

ويقول إن الاعتماد المتبادل أصبح أمرا لا يمكن تجنبه في النظام الدولي، ولذلك فإن الهدف الحقيقي هو إدارة التبعيات وتنويعها والقدرة على رفض بعض الخيارات عندما تتعارض مع المصالح الوطنية.

ويحدد لهذا الاستقلال أربعة أبعاد رئيسية: السياسي، والعسكري والعملياتي، والصناعي والتكنولوجي، والاقتصادي والطاقوي.

كما يربطه بمفاهيم مثل التحوط الاستراتيجي والموازنة الناعمة، لكنه يرى أن الاستقلال الاستراتيجي يتجاوز هذه السياسات لأنه يتطلب بناء قدرات وطنية مستدامة.

التبعية ليست قدرا دائما

يخلص توكماك أوغلو إلى أن "التبعية الحديثة" ليست وضعا ثابتا، وإنما علاقة قوة تخضع لإعادة التفاوض بصورة مستمرة.

ويرى أن تجربة الشرق الأوسط تظهر إمكانية توجه الدول إلى تحالفات متعددة عندما ترتفع تكلفة الاعتماد على قوة واحدة، بينما توضح تجربة أمريكا الوسطى كيف يمكن للجغرافيا وضعف القدرات أن يضيقا هامش الاستقلال.

أما جنوب آسيا، فيقدم نموذجا لسياسة التحوط بين القوى الكبرى، في حين تكشف إفريقيا عن مفارقة أكثر تعقيدا، تتمثل في محاولة تفكيك علاقات التبعية التاريخية مع مواجهة خطر نشوء تبعيات جديدة.

ويؤكد الكاتب أن الاستقلال الاستراتيجي ليس وضعا تعلنه الدولة، بل عملية مستمرة لبناء القدرات.

ويقول إن هذه العملية تصبح أكثر قوة عندما تتوافر القدرات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية إلى جانب الإرادة السياسية والظروف الدولية الملائمة، بينما تبقى مجرد خطاب سياسي إذا لم تستند إلى قدرات حقيقية.

ويخلص توكماك أوغلو إلى أن فهم علاقات القوة في العالم المعاصر يتطلب تجاوز ثنائية "الاستقلال والتبعية" وحدها، والنظر في مجموعة أوسع من الأدوات، تشمل الاصطفاف مع القوى الكبرى، والموازنة الناعمة، والتحوط، والاستقلال الاستراتيجي.

فالدولة لا تكون مستقلة استراتيجيا لمجرد أنها تملك سيادة قانونية، وإنما عندما تمتلك القدرة الفعلية على تحديد خياراتها، وتنويع علاقاتها، وتحمل كلفة قول "لا" عندما تقتضي مصالحها الوطنية ذلك.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!