ترك برس

تدرس مصر بجدية إمكانية الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي أبرمته السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة تعكس أهمية الاتفاق الجديد في إعادة تشكيل ترتيبات الأمن الإقليمي، إلا أن القاهرة لم تحسم موقفها النهائي بعد، في انتظار استكمال دراسة جوانبه القانونية والفنية والدستورية.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي هاكان فيدان في مدينة العلمين، إن بلاده تدرس الاتفاق "بكل جدية ومن مختلف جوانبه"، موضحا أن هناك أبعادا قانونية وفنية ودستورية تخضع للفحص قبل اتخاذ القرار المناسب.

ويفتح الموقف المصري الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة هذه الجوانب، وما الذي يجعل القاهرة بحاجة إلى دراسة متأنية قبل الانضمام إلى اتفاق دفاعي إقليمي، رغم علاقاتها الوثيقة مع كل من السعودية وتركيا.

وبحسب تقرير نشره موقع قناة العربية، فإن خبراء مصريين يرون أن الدراسة التي تجريها القاهرة ترتبط بطبيعة الالتزامات السياسية والعسكرية والأمنية التي يمكن أن تترتب على عضوية مصر في الاتفاق، فضلا عن ضرورة التأكد من توافقه مع الدستور والقوانين والاتفاقيات الدولية التي ترتبط بها البلاد.

التزامات عسكرية تحتاج إلى مراجعة دستورية

المتخصص في الشؤون الإقليمية والإسرائيلية وائل ربيع، قال إن تصريحات وزير الخارجية المصري تأتي في إطار دبلوماسي يهدف إلى منح القاهرة مساحة لدراسة موقفها من الانضمام إلى الاتفاق بصورة متأنية.

وأوضح، بحسب ما نقلته "العربية"، أن العضوية في تحالف دفاعي من هذا النوع يمكن أن تفرض التزامات سياسية وعسكرية وأمنية متبادلة بين الدول الأعضاء، وهو ما يستدعي مراجعة النصوص الدستورية المصرية المنظمة لمثل هذه الالتزامات.

وأشار ربيع إلى أن اتفاقيات الدفاع المشترك لا تقتصر على التنسيق السياسي، وإنما قد تتضمن التزامات عسكرية في حال تعرض إحدى الدول الأعضاء لاعتداء، الأمر الذي يجعل الموقف الدستوري مسألة أساسية قبل اتخاذ قرار الانضمام.

ومن بين المسائل التي تستدعي الدراسة، بحسب ربيع، الضوابط التي يفرضها الدستور المصري بشأن إرسال القوات المسلحة إلى خارج حدود البلاد، وما إذا كانت الالتزامات التي قد تترتب على الاتفاق تتطلب موافقات مؤسسية محددة.

توافق مع الدستور والاتفاقيات الدولية

من جهته، رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير صلاح حليمة أن أي خطوة مصرية نحو الانضمام إلى تحالف دفاعي يجب أن تكون متوافقة مع أحكام الدستور، إلى جانب مراعاة الاتفاقيات والالتزامات الدولية القائمة التي ترتبط بها القاهرة، سواء على المستوى الثنائي أو متعدد الأطراف.

وأضاف حليمة، وفق تقرير "العربية"، أن احتمالات انضمام مصر إلى اتفاق مكة لا تزال قائمة، خصوصا في ظل وجود رغبة لدى أطراف الاتفاق، لكنه رجح أن يتم ذلك وفق صيغة محددة يجري التوافق عليها بعد الانتهاء من الدراسات الحالية.

ويرى الدبلوماسي المصري السابق أن الاتفاق يمكن أن يمثل خطوة باتجاه تعزيز ترتيبات الأمن الإقليمي بين دول المنطقة، بدلا من الاعتماد بصورة أساسية على أطر أمنية ذات طابع غربي.

كما لفت إلى أن المنطقة تضم بالفعل آليات متعددة للتعاون الأمني، لكنها غالبا ما تكون محدودة النطاق أو جزئية، ومن بينها ترتيبات التعاون بين الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر.

ماذا تعني "الدراسة القانونية والفنية"؟

بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي بجامعة السويس هيثم عمران إن أي اتفاق دولي أو إقليمي، بما في ذلك اتفاق مكة، يحتاج إلى دراسة متكاملة للجوانب القانونية والدستورية والفنية قبل اتخاذ قرار الانضمام.

وأوضح عمران أن الجانب القانوني يركز على مدى توافق بنود الاتفاق مع قواعد القانون الدولي والمعاهدات والالتزامات القائمة على الدولة المصرية، بما يمنع حدوث تعارضات يمكن أن تترتب عليها مسؤوليات دولية غير محسوبة.

أما الجانب الدستوري، فيرتبط بمدى توافق الاتفاق مع أحكام الدستور المصري، ولا سيما ما يتعلق بالسيادة الوطنية وصلاحيات مؤسسات الدولة وإجراءات إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية.

وأشار إلى أن بعض الحالات قد تستلزم موافقة البرلمان، فيما قد تفرض حالات أخرى إجراءات إضافية وفقا لطبيعة الاتفاق ومضمونه.

في المقابل، يتعلق الجانب الفني، بحسب عمران، بآليات تنفيذ الاتفاق، بما في ذلك الترتيبات التشغيلية واللوجستية والإجرائية، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على الوفاء بالالتزامات التي يمكن أن تترتب على العضوية.

تحديات قانونية وفنية محتملة

ويرى عمران أن العقبات المحتملة أمام انضمام مصر قد تتصل بالدرجة الأولى بالمسائل الدستورية والقانونية، خاصة ما يتعلق بالسيادة وإجراءات إبرام المعاهدات وتوزيع الاختصاصات بين مؤسسات الدولة.

كما قد تظهر تحديات مرتبطة بالتزامات مصر الدولية القائمة، في حال وجود بنود في الاتفاق الجديد تتقاطع مع اتفاقيات أو التزامات سابقة، وهو ما قد يستدعي إجراء مراجعات قانونية دقيقة قبل اتخاذ القرار.

وعلى المستوى الفني، قد تبرز مسائل أخرى تتعلق باختلاف الأنظمة والمعايير التشغيلية بين الدول الأعضاء، فضلا عن الأعباء الأمنية واللوجستية التي قد تفرضها آليات التعاون الدفاعي المشترك.

وبحسب الخبير المصري، فإن التريث في اتخاذ القرار لا يعني بالضرورة رفض الاتفاق، وإنما يعكس حرص القاهرة على التأكد من أن أي خطوة مستقبلية تتوافق مع الدستور ومتطلبات الأمن القومي والمصلحة الوطنية.

اتفاق دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان

ويأتي النقاش المصري في أعقاب توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب الجاري، بمشاركة ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف.

وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وترسيخ الردع المشترك في مواجهة أي اعتداء، إلى جانب تطوير مختلف مجالات التعاون العسكري والدفاعي.

وتنص الاتفاقية، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السعودية "واس"، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما على الدول الثلاث مجتمعة، بما يعكس مستوى مرتفعا من الالتزام المتبادل في المجال الدفاعي.

وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، وتصاعد النقاش بشأن بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالا، وتوسيع التعاون بين دول المنطقة في المجالات الدفاعية والأمنية.

القاهرة أمام قرار متعدد الأبعاد

وبينما لم تحسم مصر موقفها النهائي من الانضمام، تشير التصريحات الرسمية والخبراء الذين نقلت عنهم "العربية" إلى أن القرار لا يرتبط باعتبارات سياسية فقط، وإنما يتطلب دراسة متأنية لشبكة واسعة من الالتزامات القانونية والدستورية والعسكرية والفنية.

ويبدو أن القاهرة تسعى، قبل اتخاذ قرارها، إلى تحديد طبيعة الالتزامات التي ستترتب على العضوية، ومدى توافقها مع منظومتها القانونية والدستورية، فضلا عن تقييم انعكاساتها على علاقاتها والتزاماتها الدولية القائمة.

وبذلك، فإن تأجيل القرار لا يعني إغلاق الباب أمام الانضمام، بل يترك المجال مفتوحا أمام القاهرة لدراسة الصيغة التي يمكن أن تضمن لها المشاركة في ترتيبات الأمن الإقليمي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على اعتبارات السيادة والمصلحة الوطنية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!