د. علي الصلابي - خاص ترك برس

كان السُّلطان عبد المجيد الأوَّل ضعيف البنية، شديد الذَّكاء، واقعيَّاً، ورحيماً، وهو من أجلِّ سلاطين آل عثمان قدراً، أحبَّ الإِصلاح، وأدخل التَّنظيمات الحديثة، ورغب في تطبيقها في الحال. كما أدخل إِصلاحاتٍ جمَّةً في الجيوش العثمانيَّة. وترقَّت في أيَّامه العلوم والمعارف، واتَّسعت دائرة التِّجارة، وشُيِّدت الكثير من المباني الفاخرة، ومُدَّت في عهده أسلاك الهاتف، وقضبان السِّكك الحديديَّة.

تولَّى الحكم بعد وفاة والده السُّلطان محمود الثَّاني سنة 1839م، وكان في السَّادسة عشرة من عمره، فكان صغر سنِّه هذا فرصةً لبعض الوزراء التَّغريبيِّين لإِكمال ما بدأه والده الرَّاحل من إِصلاحات على الطَّريقة الأوربيَّة، والتَّمادي في استحداث الوسائل الغربيَّة، ومن هؤلاء الوزراء الَّذين ظهروا في ثياب المصلحين، ومسوح الصَّادقين (مصطفى رشيد باشا) الَّذي كان سفيراً للدَّولة في (لندن) و (باريس)، ووصل إِلى منصب وزير الخارجيَّة في أواخر عهد السُّلطان (محمود الثَّاني)، وكانت باكورة إِصلاحاته استصدار مرسومٍ من السُّلطان عرف (بخط شريف كلخانة) أي: المرسوم المتوج بخطِّ السُّلطان الَّذي صدر عن سراي الزَّهر عام 1839م وجاء فيه:

(... لا يخفى على عموم النَّاس أنَّ دولتنا العليَّة من مبدأ ظهورها وهي جاريةٌ على رعاية الأحكام القرآنيَّة الجليلة، والقوانين الشَّرعيَّة المنيفة بتمامها، ولذا كانت قوَّة سلطتنا السَّنيَّة، ورفاهيَّة، وعماريَّة أهاليها وصلت حدَّ الغاية، وقد انعكس الأمر منذ مئةٍ وخمسين سنةً بسبب عدم الانقياد والامتثال للشَّرع الشَّريف، ولا للقوانين المنيفة بناءً على حدوث الكوارث المتعاقبة، والأسباب المتنوِّعة فتبدَّلت قوَّتها بالضَّعف، وثروتها بالفقر...).

ثمَّ جاءت بيانات يمكن تلخيص بعضها فيما يلي:

1 ـ صيانة حياة، وشرف، وممتلكات الرَّعايا بصورةٍ كلِّيَّة بغضِّ النَّظر عن المعتقدات الدِّينيَّة.

2 ـ ضمان طريقةٍ صحيحةٍ لتوزيع، وجباية الضَّرائب.

3 ـ توخِّي العدل، والإِنصاف في فرض الجنديَّة، وتحديد أمدها.

4 ـ المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلم وغير المسلم.

وبدأ عهدٌ جديدٌ يسمَّى عهد التَّنظيمات الخيريَّة العثمانيَّة الَّتي كان من بينها احترام الحرِّيَّات العامَّة، والممتلكات، والأشخاص بصرف النَّظر عن معتقداتهم الدِّينيَّة، ونصَّ فيه على مساواة جميع الأديان أمام القانون.

وفي جزيرة متلين اجتمع نفرٌ من رجال الدِّين اليونانيِّين، والأرمن، واليهود، وهناك خطبهم «رشيد باشا» ـ وهو من المنسوبين إِلى الإصلاح ـ باسم السُّلطان، فقال: (أيُّها المسلمون، والنَّصارى، واليهود! إِنَّكم رعيَّة إمبراطورٍ واحدٍ، وأبناء أبٍ واحدٍ، إِنَّ السُّلطان يسوِّي بينكم جميعاً).

(ولم يلقَ الخطُّ الشَّريف، أو الدُّستور الَّذي سانده «مصطفى رشيد» وقلَّةٌ من المحيطين به ترحيباً، أو تأييداً من الرَّأي العام العثماني المسلم؛ فأعلن العلماء استنكارهم؛ وتكفيرهم لـ «رشيد باشا»، واعتبروا الخطَّ الشَّريف منافياً للقرآن الكريم في مجمله، وبخاصَّةٍ في مساواته المسيحيِّين بالمسلمين، ورأوا: أنَّ ذلك ـ وبغضِّ النَّظر عن النَّواحي الدِّينيَّة ـ سيؤدِّي إِلى إِثارة القلاقل بين رعايا السُّلطان.

وكان الهدف بالفعل هو ما خطَّطت له الحركة الماسونيَّة، وهو إِثارة الشُّعور القومي لدى الشُّعوب المسيحيَّة ضدَّ الدَّولة).

وبهذا المرسوم طُعِنت عقيدة الولاء، والبراء في الصَّميم، ونحِّيت جملةٌ هامَّةٌ من أحكام الشَّريعة الإِسلاميَّة فيما يتعلَّق بأهل الذِّمَّة، وعلاقات المسلمين مع غيرهم.

وممَّا يستلفت النَّظر: أنَّ استصدار خطِّ شريف كلخانة كان «الثَّمن» الَّذي حصلت عليه بريطانيا، والدُّول الأوربيَّة من السُّلطان العثماني في مقابل تسوية النِّزاع بينه وبين والي مصر «محمَّد علي باشا»، الَّذي كان يريد الاستقلال، والانفصال عن الدَّولة أثناء أزمة العلاقات المصريَّة العثمانيَّة المعروفة (1255 - 1257 هـ/ 1839 - 1841 م) وينبغي ألا يفهم من ذلك: أنَّ الضَّغط الأوربيَّ بوجهٍ عامٍّ، والبريطاني بوجهٍ خاصٍّ كان وحده منشأ حركة التَّنظيمات، أو حركة التَّجديد، والإِصلاح العثمانيَّة خلال القرن التَّاسع عشر، فقد أسهم في هذه الحركة عاملٌ آخر، هو اقتناع الدَّولة، والمتأثِّرين بالثَّقافة، والحضارة الأوربيَّة بضرورة إِصلاح جهاز الدَّولة، وتجديده على أساس اقتباس النُّظم الأوربيَّة، أو استلهامها من غير مساسٍ بالأحكام الشَّرعيَّة.

(وبهذا التَّصريح الخطير الَّذي أصدرته الدَّولة لتتقرَّب من دول أوربَّة.. مسَّ السُّلطان التَّقاليد العثمانيَّة في الشِّغاف، وتناول الشَّريعة الإِسلاميَّة بالتَّحريف، فإِنَّ التَّقاليد، والشَّريعة كليهما لا يبيحان أن يتمتَّع المسلمون، وغير المسلمين بنفس الحقوق في رعاية خليفة المسلمين، لا بدَّ أن يكون تمييز بين المسلمين بنفس الحقوق في ذمَّة المسلمين، فأمَّا هذا التَّصريح الخطير؛ فله دلالته، فهو ينطق بأنَّ رجال الدَّولة اعترفوا بأنَّ التَّقاليد القديمة لم تعد ميزاناً صالحاً للحكم، ولا بدَّ من الأخذ بأساليب الغرب، ولو تعارض مع الشَّرائع والسُّنن).

وقد أنشأ رشيد باشا مجلساً للنُّوَّاب، ووضع للدَّولة قانوناً للعقوبات وفق الشَّرائع الحديثة، واستقدم رجلاً فرنسيَّاً؛ ليضع قانوناً حديثاً للدَّولة، واشتدَّ في تطبيق قوانينه شدَّةً حازمةً ضمنت احترام النَّاس لها، وأعقب ذلك بإِنشاء بنكٍ جديدٍ للدَّولة، وأصدر أوراقاً ماليَّةً، ثمَّ صدر مرسومٌ اخر عام 1856م أكَّد فيه السُّلطان عبد المجيد الأوَّل المبادئ الَّتي سبق له أن أعلنها على لسان رشيد باشا، وزاد فيه عدَّة امتيازاتٍ، وحصاناتٍ لرعايا الدَّولة غير المسلمين، وعرف في التَّاريخ العثماني بالخطِّ الهمايوني الَّذي كان أكثر جرأةً من الأوَّل، وأكثر اندفاعاً نحو الاقتباس من الغرب، وقد تضمَّن الخط الهمايوني ما يلي:

1 ـ إِلغاء نظام الالتزام، والقضاء على الرَّشوة والفساد.

2 ـ المساواة في التَّجنيد بين المسلمين وغير المسلمين.

3 ـ معاملة جميع رعايا الدَّولة معاملةً متساويةً مهما كانت أديانهم، ومذاهبهم.

4 ـ المحافظة على الحقوق والامتيازات الَّتي تمتَّع بها رؤساء الملل غير الإِسلاميَّة.

5 ـ القضاء على حواجز نظام الملل، ليتمتَّع كلَّ مواطني الإِمبراطوريَّة بمواطنةٍ عثمانيَّةٍ متساويةٍ.

6 ـ أن تصبح المسائل المدنيَّة الخاصَّة بالرَّعايا المسيحيِّين من اختصاص مجلسٍ مختلطٍ من الأهالي، ورجال الدِّين المسيحيِّين، يقوم الشَّعب بانتخابه بنفسه.

7 ـ فتح معاهد التَّعليم أمام المسيحيِّين، لتفتح أمامهم وظائف الدَّولة.

8 ـ السَّماح للأجانب بامتلاك الأراضي في الدَّولة، كما وعد السُّلطان بالاستعانة برأس المال، والخبرات الأوربيَّة بهدف تطوير اقتصاد الدَّولة.

ويعتبر السُّلطان عبد المجيد أوَّل سلطانٍ عثمانيٍّ يضفي على حركة تغريب الدَّولة العثمانيَّة صفة الرَّسميَّة؛ إِذ إنَّه أمر بتبنِّي الدَّولة لهذه الحركة، وأمر بإِصدار فرمانَيْ التَّنظيمات، عامي 1854م، 1856م، وبهما بدأ في الدَّولة العثمانيَّة

ما سمِّي بعهد التَّنظيمات، وهو اصطلاح يعني تنظيم شؤون الدَّولة وفق المنهج الغربي، وبهذين الفرمانين تمَّ استبعاد العمل بالشَّريعة الإِسلاميَّة، وبدأت الدَّولة في التَّقنين، وإِقامة المؤسَّسات.

والحقُّ: أنَّ السُّلطان عبد المجيد كان خاضعاً لتأثير وزيره «رشيد باشا» الَّذي وجد في الغرب مُثُلَه، وفي الماسونيَّة فلسفته، ورشيد باشا هو الَّذي أعدَّ الجيل التَّالي له من الوزراء، ورجال الدَّولة، وبمساعدته أسهم هؤلاء في دفع عجلة التَّغريب الَّتي بدأها هو.

وحينما رأى المسلمون: أنَّ الدَّولة تساوي بهم النَّصارى، واليهود، وتستبدل بالشَّريعة الحنيفية قوانين النَّصارى، وتخلع الأزياء القديمة الشَّريفة لتتَّخذ زيَّ النَّصارى، وأحسُّوا كذلك: أنَّ حكومة رشيد لا تكاد تأتي أمراً إِلا راعت فيه خاطر النَّصارى، وحرصت ألا تمسَّهم بأذى، أو تنالهم بضيم؛ نفروا من ذلك نفوراً عظيماً، ولم يجد السُّلطان ورجال دولته من بدٍّ في إِسقاطه، وعزله أمام مظاهر السُّخط الشَّعبي، وخوفهم من وثوب المسلمين، وثورتهم.

غير أنَّ عزل رشيد باشا لم يؤدِّ إِلى وقف حركة التَّغريب من استقدام المزيد من الأنظمة والقوانين من الغرب بعد أن مُهِّد لها الطَّريق، وفُتِحت لها الأبواب، ومع أنَّ هذه المعارضة لرشيد باشا، ودستوره قد نجحت في إِقصائه سنة 1841م، إِلا أنَّه عاد بعد أربع سنوات في عام 1845م تسانده مجموعةٌ من أعضاء المحافل الماسونيَّة الَّذين ركزوا في طريق التَّحوُّل العلماني... ، وعاد بعد ذلك ليتولَّى الصَّدارة العظمى سنة 1846 م، وعزل منها سنة 1858م.

وازدادت الأجواء سوءاً، وانحطاطاً، ممَّا جعل رجال الدَّولة يفكِّرون حقيقةً في التَّغيير والإِصلاح، فلا يجدون أمامهم غير الطَّريقة الأوربيَّة في الإِصلاح، والوجهة التَّغريبيَّة في التَّغيير الَّتي بُدئ في اتِّخاذها، خصوصاً إِذا علمنا: أنَّ كثيراً من رجال الدَّولة هؤلاء ممَّن بعثتهم الدَّولة للعمل في التَّمثيل السِّياسي الخارجي، أو للدِّراسة العسكريَّة في الخارج، بعد أن خلت السَّاحة من ظهور مصلحٍ إِسلاميٍّ يعيد الأمور إِلى نصابها، ويقطع الطَّريق على أنصار الغزو الفكري بتبنِّي إِصلاحٍ جادٍّ يعتمد على المنهج الإِسلامي.

وكما قال الكاتب التُّركيُّ الأستاذ «نجيب فاضل»: ولخلوِّ الإِمبراطوريَّة العثمانيَّة طيلة ثلاثة قرونٍ، أو أربعة قرون من زعيمٍ فكريٍّ، أو مصلحٍ اجتماعيٍّ كبيرٍ، وأصيلٍ؛ فقد تُرِك المجال للدِّبلوماسيِّين السَّطحيِّين المنبهرين بالغرب، والمقلِّدين له.. وكانت النَّتيجة فقدان الرُّوح، وضمور العقل، وذبول الإِرادة، وعموم الشَّلل.

وقد انتشرت أفكار الغزو الفكري بين الجمهور الأعظم من ساسة التُّرك، وولاتهم، وركبوا متن التَّفرنج والتَّحلُّل من الدِّين، حتَّى إِنَّ العلامة العراقي الألوسي لمَّا زار والي كركوك علي باشا عام 1267هـ أثنى عليه، وامتدحه بحبِّ العلماء، وإِكرامهم، وبالأخلاق الفاضلة، ثمَّ قال بعد ذلك: (والظَّاهر: أنَّه غير منحلِّ العقيدة، ولا منتحل شيئاً من الآراء الإِفرنجيَّة الجديدة، حيث إِنَّه لم يسمع منه جليسٌ حديث لوندره، وباريس! ويكفي أهل البلد اليوم رحمةً: أنَّ واليها سالمٌ من تلك الوصمة، وقلَّما تُنال هذه الرَّحمة في هذا الزَّمن الذَّميم!).

وقد استمرَّ التَّيَّار التَّغريبي في محاولة إِحكام السَّيطرة على جميع المجالات، والأجهزة في الدَّولة العثمانيَّة.

وعلى كلِّ حالٍ: لقد كانت المعالم الرَّئيسة لحركة الإِصلاح، والتَّجديد العثمانيَّة تدور حول نقاطٍ ثلاثةٍ هامَّةٍ:

1 ـ الاقتباس من الغرب فيما يتعلَّق بتنظيم الجيش، وتسليحه في نظم الحكم والإِدارة.

2 ـ الاتِّجاه بالمجتمع العثماني نحو التَّشكيل العلماني.

3 ـ الاتِّجاه نحو مركزيَّة السُّلطة في إِستانبول، والولايات.

كانت سنة صدور خطِّ كلخانة حدثاً في الأوساط الأوربيَّة يسجِّله أحد المنصِّرين الفرنسيِّين بقوله: (كان عام 1839م عاماً عظيماً بالنِّسبة للتَّوغُّل الفرنسي في تركيَّا.. لقد كان بداية التَّنظيمات، والسَّنة الأولى في الإِصلاح... ونحن رجال الدِّين سنبدأ بالاستفادة من هذه اللِّيبراليَّة الخجولة، ونبدأ بإِرساليَّة تبشيريَّة للتَّعليم الكاثوليكي). وقال السَّيِّد إِيتيان الَّذي ترأَّس هذه الإِرساليَّة: (هذه أوَّل إِمكانيَّةٍ لتعزيز انتصار الإِيمان الَّذي سنعلِّمه، ذلك لأنَّ القرآن يحرِّم حتَّى ذلك الوقت التَّعليم. لقد سافرت أوَّل إِرساليَّة مكوَّنة من سبعة رجال دينٍ في 21/11/1839م إِلى إِستانبول... الأخوات يفتحن داراً لليتامى وفصولاً للتَّدريس في نهاية 1840م يصل عدد التَّلاميذ إِلى 230، وعام 1842م يصل العدد إِلى 500).

وهكذا لم تضيِّع أوربَّة المسيحيَّة، وكنيستها وقتاً طويلاً للاستفادة من ظروف التَّحديث، والتَّنظيمات؛ فبعد سبعة عشر يوماً من صدور الخطِّ، كانت الإِرساليَّات التَّبشيريَّة الأولى تغادر مرسيليا باتِّجاه العاصمة العثمانيَّة، وهي تحمل أفكارها العدائيَّة للمسلمين، ولقرانهم الكريم الَّذي تتَّهمه بتحريم التَّعليم، وانتقلت عدوى التَّنظيمات إِلى الولايات العثمانيَّة العربيَّة شبه المستقلَّة وبسرعةٍ، ففي تونس أصدر محمد باي (عهد الأمان) عام 1857م وبناه على القواعد التَّالية:

أوَّلاً: الحرِّيَّة:

إِذ إنَّ الإِنسان لا يستطيع بلوغ الفلاح إِلا إِذا كانت الحرِّيَّة مضمونةً له، وكان العدل سياجاً له ضدَّ العدوان.

ثانياً: الأمان التَّامُّ.

ثالثاً: المساواة التَّامَّة بين المسلمين وغير المسلمين أمام القانون:

وهذا متضمَّنٌ في النُّقطة الثَّانية؛ لأنَّ هذا الحقَّ إِنَّما هو ملكٌ لجميع النَّاس، ويجب أن يكون للأجانب حقوق التُّونسيِّين، وأن يمارسوا الأعمال التِّجاريَّة على أنواعها، وأن يكون لهم حقُّ التَّملُّك، وسارت مصر على هذا المنوال، وبصدور هذه القوانين في إِستانبول، وتونس، ومصر تحوَّل التَّحديث الَّذي كان رغبة أوربَّة تدعمها بعض فئاتٍ نخبويَّة إِلى قوانين رسميَّة يتعهَّد فيها السُّلطان بإِجراء التَّنظيمات اللازمة لتغريب المجتمع الإِسلاميِّ. وتحوَّل الصِّراع من كونه ضغطاً خارجيَّاً على الدَّولة العثمانيَّة إِلى الدَّاخل، أي: إِلى صراعٍ داخليٍّ عنيفٍ بين سلطةٍ اختارت، أو أجبرت على تغريب المؤسَّسات، ومجتمع يرفض هذه المؤسَّسات مستعيناً بالعلماء، والفقهاء، والدُّعاة الَّذين واجهوا بقوَّةٍ تيَّار التَّحديث من منطلق: أنَّه مخالفٌ للشَّريعة الإِسلاميَّة. إِنَّ من أبرز خصائص التَّنظيمات أنَّها:

1 ـ كانت أولى الوثائق الرَّسميَّة الَّتي لم تستمدَّ مصدريَّتها من الشَّريعة الإِسلاميَّة، بل اعتمدت مصدراً وضعيَّاً للتَّشريع مستوحىً من التَّجربة الدُّستوريَّة الأوربيَّة، وقد احتوت على مفاهيم غربيَّة مثل «وطن» الَّتي تضمَّنها خط كلخانة بدلاً من «الأمَّة» فكانت الحالة هي أولى الخطوات نحو فصل الدِّين عن الدَّولة.

2 ـ إِنَّ «إِقرار الأمنيَّة الكاملة» و «عهد الأمان» و «مجلس شورى النُّوَّاب» والمظاهر الأخرى المستوحاة من التَّجربة الغربيَّة قد سمحت بإِضفاء نوعٍ من الشَّرعيَّة على استمرار الحيف على العامَّة من ناحيةٍ، وفتحت الطَّريق لطبقة التُّجَّار الغربيِّين، والمبشِّرين لإِلحاق المجتمع العثماني بقوانين السُّوق، وبمعايير الفكر التَّبشيري من ناحيةٍ ثانيةٍ.

3 ـ لقد تكلَّل خطَّا كلخانة، وهمايون بدستور مدحت باشا عام 1876م. ولأوَّل مرَّةٍ في تاريخ الإِسلام، ودوله يجري العمل بدستورٍ مأخوذٍ عن الدُّستور الفرنسي، والبلجيكي، والسُّويسري، وهي دساتيرُ وضعيَّةٌ علمانيَّةٌ.

لقد وضعت التَّنظيمات الدَّولة العثمانيَّة رسميَّاً على طريق نهايتها كدولةٍ إِسلاميَّةٍ، فعلمنة القوانين، ووضع مؤسَّساتٍ تعمل بقوانين وضعيَّة، والابتعاد عن التَّشريع الإِسلامي في مجالات التِّجارة، والسِّياسة، والاقتصاد قد سحب من

الدَّولة العثمانيَّة شرعيَّتها في أنظار المسلمين، ناهيك: أنَّ عدوَّ الدَّولة أصبح داخليَّاً، فالتَّوغُّل الأوربيُّ في مستوياته الثَّقافيَّة، والاقتصاديَّة، والسِّياسيَّة من ناحيةٍ، والمسلمون، وعلماء الدِّين الَّذين يرتابون بمسلك الدَّولة من النَّاحية الثَّانية سيبدؤون صراعاً لن ينتهي؛ حتَّى بعد نهاية الدَّولة العثمانيَّة، بل استمرَّ إِلى يومنا هذا.

إِنَّ من الأهمِّيَّة بمكانٍ أن نقوِّم ما حدث، ولقد ترك السُّلطان عبد الحميد الثَّاني في مذكَّراته شهادته التَّاريخيَّة، لقد حاول إِنقاذ الدَّولة العثمانيَّة، بعد أن دارت عليها الدَّوائر، وأُحكم عليها الحصار، لقد كان سلطاناً واعياً لحقيقة الدَّعوات التَّحديثيَّة الَّتي اتَّخذت لها تسمية: «الحركة الإِصلاحيَّة» تغطيةً لنواياها الحقيقيَّة في ربط الدَّولة العثمانيَّة بالغرب، وعند ذلك حاربه الدُّستوريُّون، ويهود الدُّونمة، وعزلوه. وفي أواخر عهده كتب وهو سلطانٌ مسلوبُ الإِرادة يكشف حقيقة التَّجديد، والإِصلاح يقول:

(التَّجديد الَّذي يطالبون به تحت اسم الإِصلاح سيكون سبباً في اضمحلالنا. ترى لماذا يوصي أعداؤنا الَّذين عاهدوا الشَّيطان بهذه الوصيَّة بالذَّات. لا شكَّ: أنَّهم يعلمون علم اليقين: أنَّ الإِصلاح هو الدَّاء، وليس الدَّواء، وأنَّه كفيلٌ بالقضاء على هذه الإِمبراطوريَّة. إِذا أردنا أن نتبنَّى بعض الإِصلاحات؛ فعلينا أن نأخذ بالحسبان الظُّروف السَّائدة في البلاد، وأن لا نقيس الأوضاع على أساس المستوى الفكريِّ لحفنةٍ قليلةٍ من الموظَّفين، ويجب أن يكون في الحسبان شكوك طبقة العلماء في كلِّ ما هو أوربيٌّ. والأوربيُّون يتوهَّمون: أنَّ السَّبيل الوحيد في الخلاص هو الأخذ بحضارتهم جملةً وتفصيلاً.

لا شكَّ: أنَّ طراز التَّطوُّر عندنا هو غير ما عند الأوربيِّين، علينا أن نتطوَّر تحت ظروفٍ طبيعيَّةٍ، ومن تلقاء أنفسنا، وأن نستفيد من الظُّروف الخارجيَّة في حالاتٍ خاصَّةٍ، ومن الظُّلم الفادح أن نُتَّهم بمعاداة كلِّ شيءٍ يأتي من الغرب).


مراجع:

  1. اسماعيل أحمد ياغي، العالم العربي في التَّاريخ الحديث، مكتبة العبيكان، السعودية/ 1418هـ/1997م. ص (152).
  2. حسين مؤنس، الشَّرق الإِسلامي في العصر الحديث، مطبعة حجازي، القاهرة، الطَّبعة الثَّانية، 1938م. ص (256).
  3. زكريا سليمان بيومي، قراءة جديدة في تاريخ العثمانيِّين، عالم المعرفة، الطَّبعة الأولى 1411هـ/1991م، ص (209).
  4. عبد العزيز الشِّنَّاوي، الدَّولة العثمانيَّة، دولةٌ إِسلاميَّةٌ مفترى عليها، مكتبة الأنجلو المصريَّة، مطابع جامعة القاهرة، عام 1980م. (1/181).
  5. علي بن نجيب الزَّهراني، الانحرافات العقديَّة، والعلميَّة في القرنين الثَّالث عشر، والرَّابع عشر الهجريِّين، وآثارهما في حياة الأمَّة، دار طيبة مكَّة، دار آل عمَّار، الشَّارقة، الطَّبعة الثَّانية، 1418هـ/1998م. (2/270).
  6. علي حسُّون، تاريخ الدَّولة العثمانيَّةـ، المكتب الإِسلامي، الطَّبعة الثَّالثة 1415هـ/1994م، ص(198)
  7. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م، ص. ص (302-308).
  8. قيس جواد العزاوي، الدَّولة العثمانيَّة قراءةٌ جديدةٌ لعوامل الانحطاط، مركز دراسات الإِسلام والعالم، الطَّبعة الأولى 1414هـ/1994م. ص(63)
  9. مذكَّرات السُّلطان عبد الحميد، تقديم د. محمَّد حرب، دار القلم، الطَّبعة الثَّالثة، 1412هـ/1991م.ص(3)

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس