د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

في مثل هذا اليوم: 05/05/1931 تأسست جمعية (العلماء المسلمين الجزائريين) وبذلك تكون الجمعية أتمت العام الأول من عقدها العاشر. تأسست الجمعية في الجزائر على يد الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس مع ثلة من العلماء الجزائريين إحياءً للشعب الجزائري، وإصلاحاً لمجتمعه ومساهمة في نهوضه الحضاري والمحافظة على هويته ليتبوؤوا مكانة رفيعة بين الأمم وفق هويته الإسلامية والعربية.

إن ابن باديس ليس فقط محارباً للاستعمار بل إن الاستعمار ليرى فيه وفي حركته أعظم خطر على سيادة فرنسا على الجزائر، لقد نشرت جريدة البصائر مقالاً عن تقييم الفكر الفرنسي الاستعماري لابن باديس وحركته ـ جمعية العلماء ـ فيما كتبته الجريدة الفرنسية « صدى باريس » بترجمة مجلة الصباح التونسية بعنوان

«عرب الجزائر» جاء فيه:.. إن الحركة التي يقوم بها العلماء المسلمون في الجزائر أكثر خطراً من جميع الحركات التي قامت حتى الان، لأن العلماء المسلمين يرمون من وراء حركتهم هذه إلى هدفين كبيرين الأول سياسي والثاني ديني.

والعلماء المسلمون المثقفون هم العالمون بأمور الدين الإسلامي وفلسفته، والواقفون على أسرار معتقداته، فهم لا يسعون إلى إدماج الجزائر بفرنسا، بل يفتشون في القرآن نفسه عن مبادئ استقلالهم السياسي.

أسس هؤلاء العلماء في عام 1931م، أي بعد انعقاد المؤتمر الإسلامي في القدس اجتماعاً عظيماً، وشكلوا على إثره جمعية كبيرة انتشرت في قليل من الزمن انتشاراً سريعاً، ولا تزال هذه الجمعية تنمو نمواً مطرداً يوماً بعد يوم، رأس الشيخ ابن باديس هذه الجمعية، وكانت له اليد الطولى في تأسيسها، وهو رجل سياسي ومتدين يمت بنسبه إلى أسرة عريقة في قسنطينة، وضليع جداً في العلوم الدينية وله نفوذ كبير في الجزائر، ويتظاهر أنه لا يعرف اللغة الفرنسية مع أنه يتقنها كل الإتقان. (مقدمة مجلة الشهاب ص 62)

العوامل التي ساعدت على تأسيس جمعية العلماء:

تضافرت ظروف عديدة وعوامل كثيرة ساهمت جميعها في إظهار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى الوجود نذكر منها:

1 ـ الظروف التي نشأت فيها الجمعية:

مرور قرن كامل على الاحتلال الفرنسي للجزائر واحتفال الفرنسيين بذلك استفزازاً للأمة، وإظهاراً للروح الصليبية الحاقدة التي يضمرونها للإسلام والمسلمين، كانت الاحتفالات سنة 1349هـ 1930م، فأقامت فرنسا مهرجانات بمئوية استعمارها للجزائر واستفزت هذه الاحتفالات ضمير الأمة وفجرت فيها روح الإصلاح وطاقات المقاومة، ففي تلك الاحتفالات خطب أحد كبار الساسة الاستعماريين الفرنسيين فقال: إننا لن ننتصر على الجزائريين ماداموا يقرؤون القرآن ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن من وجودهم وأن نقتلع العربية من ألسنتهم.

2 ـ حاجة الشعب لهذه الجمعية:

إن وجود الجمعيات والاتحادات والنوادي المسيحية وغير المسيحية كان معروفاً في ذلك الوقت، مما دفع بالعلماء المسلمين إلى إنشاء جمعية إسلامية تحدياً للجمعيات غير الإسلامية، حتى تنظم التعليم الحر وتقيم الشعائر الإسلامية وبعض الاحتفالات الدينية، بالإضافة إلى تلك الجمعيات الدينية والثقافية، فقد كانت هناك بعض التنظيمات والأحزاب السياسية الأوروبية في الجزائر قد جذبت بعض الجزائريين للانخراط في تنظيماتها، ثم نشأت بعض الأحزاب السياسية الجزائرية لتحقيق بعض المطالب السياسية الاجتماعية.

وكل ذلك ساهم في دفع الشيخ عبد الحميد بن باديس وإخوانه إلى تكوين الجمعية وقفاً للنزيف والتشتت وتقويماً للمطالب والمشروعات الاجتماعية والسياسية.

3 ـ التغيير الفكري:

فقد تأثر علماء الجزائر بالحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي منذ محمد ابن عبد الوهاب، وخير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والكواكبي وغيرهم من زعماء الإرشاد والإصلاح في الشرق الإسلامي وغربه، فكانت لمدارس الإصلاح تأثير مباشر في زعماء جمعية علماء المسلمين، كما أن التغيير الفكري الذي ظهر بعد الحرب العالمية الأولى حين سقطت أقنعة المشعوذين، الذين أماتوا على الأمة دينها بخرافاتهم وبدعهم وتسلطهم على الأرواح والأبدان باسم الدين. (عبد الحميد بن باديس وجهوده التربوية ص 49)

تأسيس جمعية العلماء:

1 ـ أول اجتماع لرواد الإصلاح:

وبعد اللقاءات المتعددة التي كانت تتم بين ابن باديس والبشير الإبراهيمي، تارة في سطيف وأخرى في قسنطينة، التي كانت تنصب على دراسة الوضع في الجزائر والبحث عن السبل الكفيلة بمعالجة هذا الوضع، وبعد هذه اللقاءات الممهدة فكر الشيخ عبد الحميد في أن يخطو خطوة عملية تكون تمهيداً مباشراً للشروع في التحضير لتأسيس هذه الجمعية، التي ظلت فكرة لم تجد طريقها للتنفيذ، وتوالت الجهود بعد ذلك الممهدة لإنشاء هذه الهيئة، ويذكر الشيخ خير الدين في مذكراته أنه في عام 1928م دعا الشيخ عبد الحميد بن باديس الطلاب العائدين من جامع الزيتونة والمشرق العربي لندوة يدرسون فيها أوضاع الجزائر، وما يمكن عمله لإصلاح هذه الأوضاع، وكان ممن لبى الدعوة من يمكن تسميتهم «رواد الإصلاح» أمثال: البشير الإبراهيمي، ومبارك الميلي، والعربي بن بلقاسم التبسي، ومحمد السعيد الزاهري، ومحمد خير الدين، واجتمعوا برئاسة الشيخ عبد الحميد بمكتبه، وقدم الشيخ حديثاً مطولاً عن وضعية البلاد والقوانين الجائرة التي تحكمها، ليصل بعد ذلك إلى دور العلماء في المقاومة والتضحية، ومن جملة ما قال: لم يبق لنا إلا أحد أمرين لا ثالث لهما: إما الموت والشهادة في سبيل الله منتظرين النصر الذي وعد به عباده المؤمنين، وإما الإستسلام ومدّ أيدينا إلى الأغلال وإحناء رؤوسنا أمام الأعداء، فتكون النتيجة لا قدر الله أن يجري علينا ما جرى ببلاد الأندلس.. ثم عرض خطة عمل مؤلفة من نقاط هي:

ـ إنشاء المدارس الحرة لتعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية.

ـ الالتزام بإلقاء دروس الوعظ لعامة المسلمين في المساجد الحرة.

ـ الكتابة في الصحف والمجلات لتوعية طبقات الشعب.

ـ إنشاء النوادي للاجتماعات وإلقاء الخطب والمحاضرات.

ـ إنشاء الفرق الكشافة الإسلامية للشباب.

ـ العمل على إذكاء روح النضال في أوساط الشعب لتحرير البلاد من العبودية والخضوع للحكم الأجنبي.

2 ـ خطة بارعة:

لم يحضر ابن باديس الاجتماع التأسيسي للجمعية من الأول، وكان وراء ذلك هدف يوضحه الشيخ خير الدين أحد المؤسسين الذي حضر الجلسات العامة والخاصة لتأسيس الجمعية، يقول: كنت أنا والشيخ مبارك الميلي في مكتب ابن باديس بقسنطينة يوم دعا الشيخ أحد المصلحين محمد عبابسة الأخضري، وطلب إليه أن يقوم بالدعوة إلى تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بالعاصمة، وكلفه أن يختار ثلاثة من جماعة نادي الترقي الذي لا يثير ذكر أسمائهم شكوك الحكومة أو مخاوف أصحاب الزوايا، وتتولى هذه الجماعة توجيه الدعوة إلى العلماء لتأسيس الجمعية في نادي الترقي بالعاصمة، حتى يتم الاجتماع في هدوء وسلام، وتتحقق الغاية المرجوة من نجاح التأسيس، ويقول الشيخ خير الدين وأسرّ إلينا ابن باديس أنه سوف لا يلبي دعوة الاجتماع ولا يحضر يومه الأول حتى يقرر المجتمعون استدعاءه ثانية بصفة رسمية، لحضور الاجتماع العام، فيكون بذلك مدعواً لا داعياً، وبذلك يتجنب ما سيكون من ردود فعل السلطة الفرنسية وأصحاب الزوايا ومن يتحرجون من كل عمل يقوم به ابن باديس. (مذكرات الشيخ محمد خير الدين (1 / 105، 106)

وهكذا تأسست الجمعية وتشكل مجلسها الإداري المنبثق عن الاجتماع العام. وقد حرص أعوان الحكومة ومن معهم أن تكون للوجوه التي يرضون عنها مكانة في هذا المجلس، حتى يستطيعوا توجيهه كما يشاؤون ولكن عملية انتخاب الأعضاء خيبت مساعيهم، فقد فاز العلماء المصلحون الموالون لحركة ابن باديس بأهم المناصب فيه، برئاسة هذا الأخير. وهذه النتيجة لم ترض أعوان الإدارة الاستعمارية ولا أتباع الطريقة العليوية بالخصوص، لقد انتخبت الهيئة الإدارية ابن باديس غيابياً للرئاسة، والإبراهيمي نائباً له، وللكتابة العامة الأمين العمودي، وهكذا بدأ العمل الإصلاحي الجماعي ضمن إطار ثابت وتنظيم مقنن.

3 ـ غاية الجمعية:

كانت الغاية التي أعلنت في القانون الأساسي للجمعية صريحة وواضحة فيما يخص محاربة الافات الاجتماعية كالخمر والميسر والبطالة والجهل والافات الدينية، كل ما يحرمه صريح الشرع وينكره العقل.

ويظهر الهدف التعليمي في الفصل السادس للجمعية أن تؤسس شعباً في القطر وأن تفتح نوادي وحتى عام 1931م كانت هذه هي الغاية التي أعلنتها الجمعية، ولكن بعد تصفية أنصار الإدارة الحكومية، وأعوان الطرق المشبوهة في الانتخاب الثاني الذي أجرته الهيئة العامة للجمعية عام 1932م أخذت غاية الجمعية تتوضح أكثر فأكثر، فضمن الإطار الديني دعا ابن باديس للعودة إلى سيرة السلف الصالح، فقال: خطتنا الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم، والاهتداء بفهم الأئمة ـ المعتمد عليهم ـ ودعوة المسلمين كافة إلى السنة النبوية المحمدية دون تفريق بينهم، وغايتنا أن يكون المسلمون مهتدين بهدي نبيهم في الأقوال والأفعال والسير والأحوال، حتى يكونوا للناس كما كان هو (ص) مثالاً أعلى في الكمال. (جمعية العلماء المسلمين ، د. أحمد الخطيب ص 115)


ملاحظة: استفاد المقال مادته من كتاب: (كفاح الشعب الجزائري)، للدكتور علي محمد الصلابي.

المراجع:

كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، د. علي محمد الصلابي. دار ابن كثير، الطبعة الأولى، 2015م.
سؤال النهضة عند الشيخ عبد الحميد ، د. لطيفة عميرة.
عبد الحميد بن باديس وجهوده التربوية، مصطفى محمد حميداتو.
جمعية العلماء المسلمين ، د. أحمد الخطيب.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس