
ترك برس
في تقرير بصحيفة يني شفق التركية، سلط الكاتب والخبير السياسي يحيى بستان، الضوء على التصعيد التركي الأخير في الملف السوري، حيث رفعت أنقرة نبرة تحذيراتها بالتزامن مع توقيع مذكرة تفاهم عسكرية مع دمشق، وتصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان التي هدد فيها "قسد" بشكل مباشر.
ويربط الكاتب هذه التطورات بمسار أوسع يشير إلى تراجع عصر الوكلاء في الشرق الأوسط، في ظل مساعٍ أمريكية لإعادة تشكيل المنطقة عبر دمج الميليشيات بالجيوش النظامية، مقابل محاولات إسرائيلية لإبقاء وكلائها وتغذية النزعات الفيدرالية داخل سوريا.
كما يتناول مسار المفاوضات الحساسة بين دمشق وتل أبيب، والمطالب الإسرائيلية المتعلقة بالجولان والوجود العسكري، إلى جانب الضربات الجوية وأجهزة التنصت جنوب دمشق، ليخلص إلى أن مستقبل سوريا ووحدة أراضيها بات مرتبطًا بمدى قدرة أنقرة على موازنة النفوذ الإسرائيلي المتصاعد.
وفيما يلي نص التقرير:
أنقرة ترفع نبرة التحذير في الملف السوري، فبعد أن طلبت دمشق رسميًا دعمًا من تركيا (علّقنا على ذلك في مقالنا"مرحلة جديدة في سوريا.. تركيا تلوّح بالخيار العسكري" في 25 يوليو). تلا ذلك تحذير وزير الخارجية فيدان: "بدأنا نشهد تطورات يصعب علينا التسامح معها". وفي نفس اليوم (13 أغسطس)، وُقّعت مذكرة تفاهم عسكرية بين تركيا وسوريا.
أما تصريح الرئيس أردوغان في ملاذكرد، فقد كان أعلى نبرة من كل هذه التطورات. فقد شدد على أن "تركيا هي الضامن لأمن الأكراد في سوريا، ومن يتجهون نحو أنقرة ودمشق هم من سيكسبون". وفي نهاية حديثه وجه تحذيرًا لـ"قسد" قائلًا: "إذا استل السيف من غمده، فلا مكان للأقلام والكلمات."
ما أفهمه من كل هذا هو أن أنقرة على وشك اتخاذ قرارات مهمة. وذلك لأن إسرائيل تدفع بسوريا نحو التقسيم، ويبدو أن الولايات المتحدة تفتقر إلى العزيمة أو الرغبة في إيقاف إسرائيل.
هل انتهى عصر الوكلاء؟
إن الرؤية الجديدة للولايات المتحدة، التي بدأت في تقليص وجودها في العراق وسوريا، هي إقامة نظام جديد في الشرق الأوسط لا مكان فيه للأطراف الفاعلة غير الحكومية والمجموعات العميلة وحروب الوكالة. وأعتقد أن أنقرة وواشنطن كانتا تنظران إلى هذه المسألة من منظور متقارب.
ويجري العمل على دمج الحشد الشعبي في الجيش العراقي (بينما هناك من يحاول تحويل الحشد الشعبي إلى جيش موازٍ في العراق). ويمارس الضغط على حزب الله لتسليم أسلحته. وتركيا، لحرصها على سيادة دمشق، شجعت دمج الجماعات التابعة لها في الجيش السوري. وقد أعلن تنظيم "بي كي كي" الإرهابي حل نفسه. وبدأت دول الخليج في دفع عملية نزع سلاح حماس. وتجري صياغة نصوص المفاوضات في القاهرة. في المقابل، تعيق إسرائيل هذه الجهود وترفض التخلي عن وكلائها، مثل جماعة الهجري والدروز في سوريا و "واي بي جي" الإرهابي، ما يجعل احتمال اندلاع حرب وكلاء جديدة أمرًا لا مفر منه.
"التيار الفيدرالي" في سوريا
بعد أحداث السويداء، انجرفت سوريا نحو "التيار الفيدرالي". فقوات "قسد" لا تنوي إلقاء السلاح، بل على العكس، إنها تستعد لصراع محتمل. ويُقال إنها دعت بعض المجموعات في جبال قنديل إلى القدوم إلى سوريا، ولا تزال تسعى لتجنيد المزيد من المقاتلين وقوات الشرطة. كما أن الزعيم الدرزي الموالي لإسرائيل الهجري، أسس كيانًا أطلق عليه اسم "الحرس الوطني". وبعد بضعة أيام، أعلن بعض السياسيين العلويين عن تأسيس "المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا"، مؤكدين أن "النظام الفيدرالي هو الحل الأنسب".
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لمجيئها بعد الهجمات الإسرائيلية على دمشق. والأهم من ذلك هو تراجع المبعوث الأمريكي باراك عن موقفه السابق، خوفًا من إقالته من منصبه تحت ضغط اللوبي اليهودي. فقد صرح باراك بأنه "ليس المطلوب إقامة نظام فيدرالي كامل، بل صيغة أقل حدة"، ما يعكس موقف الولايات المتحدة الجديد، المصمم وفق طلبات إسرائيل، والذي شجع الانفصاليين على المضي قدمًا.
إن تأكيد الرئيس أحمد الشرع لوسائل الإعلام العربية بأن “جميع الحلول باستثناء الانفصال يمكن مناقشتها على طاولة المفاوضات” جدير بالملاحظة، وقد سألت صديقًا مطلعًا على التطورات عن معنى ذلك. فأجابني أن الشرع لن يتنازل عن سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
هل تعثرت المفاوضات بين دمشق وتل أبيب؟
والعقدة الرئيسية تكمن في المفاوضات بين دمشق وتل أبيب. وقد أعلن الشرع عن تحقيق تقدم في المفاوضات، بينما نقلت وسائل الإعلام العربية أن اتفاقية أمنية ستُوقع في سبتمبر بحضور الرئيس ترامب. وترغب دمشق في توقيع اتفاقية أمنية على أساس اتفاقية فض الاشتباك عام 1974، في حين تتوقع إسرائيل تنازلات كبيرة من دمشق لإتمام الاتفاقية.
وإليكم بعض المعلومات المتاحة في المصادر المفتوحة: تطالب إسرائيل بالبقاء في الجولان، ونزع سلاح الجزء السوري منه، وحظر دخول الأسلحة المتطورة إلى سوريا (وهذا يهمنا)، وإنشاء ممر تحت إشراف الأمم المتحدة والولايات المتحدة بين الجولان والسويداء (وهو المرحلة الأولى من ممر داوود)، والاعتراف بوجودها العسكري في جبل الشيخ الذي يطل على دمشق وبيروت. ومن مطالب تل أبيب أيضًا ألا تحصل دمشق على أي دعم خارجي يزعج إسرائيل (وهذا يهمنا أيضًا).
أجهزة تنصت جنوب دمشق
تواصل إسرائيل منذ أيام استهداف الثكنات العسكرية السورية، بهدف إضعاف دمشق وتحقيق مكاسب ميدانية ورفع سقف مطالبها في المفاوضات. ومن اللافت وجود أجهزة مراقبة وتنصت إسرائيلية في جبل المانع جنوب شرق دمشق، وقيام إسرائيل بشن غارة جوية لمنع وقوع هذه الأجهزة في أيدي القوات السورية.
من الواضح أن تحقيق الاستقرار وضمان وحدة الأراضي السورية صعب ما لم تتم موازنة السياسات الإسرائيلية العدوانية. وكما أشار البروفيسور مراد يشيل طاش في تحليله القيّم في "ميدل إيست آي"، "يجب على أنقرة موازنة النفوذ الإسرائيلي المتصاعد باستراتيجية دبلوماسية عسكرية استباقية". وعليه، يجب تضييق نطاق تحركات وكلاء إسرائيل.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!