
ترك برس
في قراءة تحليلية معمقة تتجاوز التجاذبات السياسية الراهنة، استعرض الباحث التركي "محمد مظلوم جيليك" الجذور التاريخية والسياسية لأكراد سوريا، مؤكداً أن حصر قضيتهم في إطار تنظيم "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) يمثل "فقراً في الذاكرة التاريخية"، ومشيراً إلى أن الوجود الكردي في المنطقة ارتبط تاريخياً بالسياسات العثمانية الرامية لتثبيت الأمن والاستقرار.
الميراث العثماني.. الأكراد كحماة للثغور
أشار جيليك في دراسته التي نشرها موقع "فوكس بلس" (Fokus+)، إلى أن التواجد الكردي المكثف في الشمال السوري لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات استراتيجية تبنتها الدولة العثمانية منذ معركة "مرج دابق" عام 1516. حيث سعت إسطنبول حينها إلى توطين القبائل الكردية في تلك المناطق لتأمين طرق الحج والتصدي للتهديدات الخارجية، مما جعلهم جزءاً أصيلاً من نسيج المنطقة الدفاعي والاجتماعي.
السلطان عبد الحميد الثاني.. مهندس السياسة الكردية
اعتبرت الدراسة أن عهد السلطان عبد الحميد الثاني مثل "العصر الذهبي" للحضور الكردي في سوريا؛ إذ وظّف السلطان دهاءه السياسي لترسيخ مفهوم "الجامعة الإسلامية"، معتبراً الأكراد ركيزة أساسية في مواجهة الأطماع الاستعمارية. وتحت مظلة "الأفواج الحميدية"، لعبت القبائل الكردية دوراً محورياً كـ "جندرمة سياسية" حافظت على هيبة الدولة في الأرياف والبوادي السورية.
وحدة المصير ضد الانتداب: ثورة "هنانو" نموذجاً
سلط الباحث الضوء على محطة تاريخية فارقة تمثلت في "ثورة الشمال" بقيادة الزعيم الكردي الحلبي إبراهيم هنانو. وأوضح جيليك أن هنانو، الذي تخرج من المدارس العثمانية، قاد حراكاً عسكرياً ضد الانتداب الفرنسي بالتنسيق المباشر مع "مصطفى كمال أتاتورك"، مؤكداً أن دماء الأكراد والأتراك والعرب اختلطت في خندق واحد دفاعاً عن أورفة وعنتاب وحلب، مما يثبت وحدة المصير الجغرافي والسياسي.
من "بقايا العثمانيين" إلى أزمة الهوية في عهد البعث
انتقلت الدراسة لوصف التحول الدراماتيكي في وضع الأكراد عقب سقوط الدولة العثمانية وصعود نظام البعث. وأوضحت كيف تحول الأكراد في نظر دمشق إلى "أجانب" أو "بقايا عثمانيين"، مما أدى إلى تجريد الآلاف من جنسيتهم في إحصاء عام 1962 الجائر. كما لفت جيليك إلى أن النظام السوري استخدم لاحقاً الورقة الكردية كأداة للضغط على أنقرة عبر دعم التنظيمات الإرهابية (PKK)، بدلاً من منح المواطنين الأكراد حقوقهم المشروعة.
نحو تحالف "تركي - عربي - كردي"
اختتمت الدراسة بالتأكيد على أن الانفراجة الحالية في الملف الكردي السوري، والخطوات السياسية نحو منحهم حقوقاً دستورية، يجب أن تُفهم في إطارها الصحيح بعيداً عن المشاريع الانفصالية أو الوعود الغربية "الزائفة".
وشدد جيليك على أن استقرار المنطقة يبدأ من استعادة "التحالف الثلاثي" (التركي، العربي، الكردي)، معتبراً أن نجاح مسار السلام في سوريا سينعكس إيجاباً على الداخل التركي وعلى أمن المنطقة برمتها، داعياً إلى استلهام دروس التاريخ لبناء مستقبل مشترك يقوم على العدالة والمواطنة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










