
ترك برس
تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، تطور مفهوم حسن الجوار في الشرق الأوسط عبر التاريخ، مسلطًا الضوء على تراجعه نتيجة الحروب والتدخلات الخارجية، لا سيما بعد الحرب العالمية الأولى وقيام إسرائيل، ثم تصاعد التوترات مع السياسات الإيرانية بعد الثورة الإسلامية.
يناقش أويصال كيف أثرت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في تعقيد المشهد الإقليمي، رغم أنها أعادت التأكيد على أهمية التعاون الإقليمي. ويبرز محاولات بعض الدول، مثل تركيا والدول العربية، لإحياء هذا المبدأ من خلال التقارب والتنسيق.
كما يؤكد الكاتب التركي أن تحقيق الاستقرار في المنطقة يظل مرهونًا بترسيخ علاقات حسن الجوار والتعامل مع الأزمات ضمن إطار إقليمي مشترك. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة الشرق القطرية:
أصبحت مسألة حسن الجوار أكثر إلحاحًا في أعقاب الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إذ رغم ما ألحقته هذه الحرب من ضرر واضح بهذا المبدأ في الشرق الأوسط، فإنها أعادت إبراز أهميته بشكل أكبر. فهذه المنطقة، بحكم موقعها الجغرافي، كانت عبر التاريخ ساحة لصراعات القوى والتدخلات الخارجية، لكنها لم تكن دائمًا على هذا القدر من الاضطراب؛ إذ شهدت فترات من الاستقرار خاصة بعد انتشار الإسلام، رغم تعرضها أحيانًا لهجمات كالحملات الصليبية والغزو المغولي. كما عاشت مراحل من التعايش في ظل الدولة العثمانية، حيث اجتمعت فيها أديان ومذاهب متعددة. لكن هذا الاستقرار تراجع بشكل ملحوظ بعد الحرب العالمية الأولى، لتدخل المنطقة في مرحلة من عدم الاستقرار المستمر حتى اليوم.
وخلال الحرب العالمية الثانية، شهدت الدول العربية صراعًا بين القوى الكبرى، وسعت في تلك الفترة إلى تحقيق الاستقلال. ولكن بعد الحرب، أدى قيام إسرائيل في قلب المنطقة، وكأنها قاعدة متقدمة للغرب، إلى زيادة حالة الفوضى وتهيئة الأرضية لمزيد من التدخلات الخارجية. وقد تصرّفت إسرائيل كجار غير طبيعي، إذ خاضت حروبًا متكررة مع الدول العربية، ما أظهر أنها بعيدة عن مفهوم حسن الجوار، وعلى الرغم من توقيعها اتفاقيات تطبيع مع بعض الدول العربية، فإن ذلك لم يؤد إلى تهدئة في الجوار.
في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، تبنّى نظام بهلوي في إيران سياسة تقوم على التعاون الوثيق مع إسرائيل والغرب، ما انعكس سلبًا على موقفه من قضايا العرب، خاصة ما يتعلق بالاستقلال والصراع مع إسرائيل. وفي سياق الحرب الباردة، بقيت تركيا مرتبطة بالمعسكر الغربي، ولم تُظهر اهتمامًا كبيرًا بدعم الجهود العربية في تلك المرحلة، إلا أنها، مقارنة بإيران وإسرائيل، لم تنخرط في سياسات تهدف إلى زعزعة استقرار الدول العربية، بل سعت تدريجيًا إلى بناء علاقات متسالمة معها.
ومع الثورة الإسلامية الإيرانية، لم تنتهِ حالة التوتر بين إيران والعرب، بل ازدادت حدة، حيث اتجه النظام الجديد إلى تصدير الثورة، ما شكّل تحديًا مباشرًا لمفهوم حسن الجوار. وقد تعرّض هذا المفهوم لضربة قوية خلال الحرب الإيرانية العراقية، واستمر التراجع بعد غزو العراق 2003، ثم في أعقاب الربيع العربي عام 2011، حيث توسعت التدخلات إيرانية في سوريا والعراق واليمن، ما زاد من حدة التوتر وأضعف فرص بناء علاقات مسالمة في المنطقة.
في السنوات الأخيرة، دعت تركيا والدول العربية إيران إلى تبنّي نهج يقوم على حسن الجوار، وقد شهدت المنطقة بالفعل فترة من الانفراج النسبي مع توجه طهران إلى خفض التوتر، كما عملت تركيا على تطوير علاقاتها مع دول عربية بارزة مثل المملكة العربية السعودية ومصر، إلا أن الحرب الأخيرة أعادت الأوضاع إلى التوتر، خاصة مع استهداف إيران لدول الخليج، وهو ما أضعف آمال تحقيق الاستقرار وحسن الجوار.
على الرغم من أن امتناع دول الخليج التي تعرّضت لهجمات من إيران عن الردّ بهجمات مماثلة يُعدّ مؤشرًا على قدر كبير من النضج السياسي، فإن على إيران أن تفسّر هذا الموقف بوصفه بادرة حسن نية لا علامة ضعف. وإذا كانت إيران تؤمن فعلًا، كما تعلن، بالتعاون بين الدول الإسلامية فعليها أن تتجه نحو ترسيخ مفهوم حسن الجوار مع دول المنطقة. غير أن قيام إسرائيل بعد وقف إطلاق النار بمهاجمة لبنان، إضافة إلى تصريحات بعض قادتها التي تتضمن ادعاءات إقليمية تمتد من المملكة العربية السعودية إلى العراق وتركيا، يجعل التفاؤل بشأن حسن الجوار أمرًا صعبًا. ومع ذلك، فإن التعاون الذي بدأ يتشكل قبل الحرب بين الدول الإسلامية مثل المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وقطر وحتى باكستان، أعاد إحياء الأمل من جديد في تحقيق السلام وتعزيز مبدأ حسن الجوار في المنطقة.
ومع اندلاع الحرب، تحوّل هذا التعاون الجديد إلى وساطة تهدف إلى وقفها. وسيكون من الإيجابي جدًا انضمام إيران إلى الدول الإسلامية الساعية إلى ترسيخ حسن الجوار في المنطقة، غير أنه حتى في حال عدم انضمامها، فإن القوة الاقتصادية والتأثير الدبلوماسي والتعاون الأمني لهذه الدول يمكن أن يدفع إسرائيل إلى احترام الشعب الفلسطيني وجيرانها، كما قد يساهم في دفع إيران، بعد ما خلّفته الحرب من دمار، نحو تبنّي نهج حسن الجوار. وفي النهاية، لن يتحقق الاستقرار في منطقتنا ما لم يتم تطوير علاقات حسن الجوار ومعالجة المشكلات الإقليمية ضمن إطار داخلي مشترك.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











