د. عثمان غازي كاندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

نقرأ أو نستمع يوميًا إلى عدد كبير من التحليلات حول مسار الحرب الروسية الأوكرانية.

وفي أحد هذه التحليلات، طُرح أن الهجمات التي تنفذها أوكرانيا في العمق الروسي قد تستنفد صبر الرئيس فلاديمير بوتين. ووفقًا لهذا الطرح، قد تدخل الحرب مرحلة أكثر شدة، وقد تقدم روسيا على احتلال مدينة أوديسا لقطع الصلة البحرية لأوكرانيا بشكل كامل.

وكان مبرر هذا التقييم أن أوكرانيا استخدمت البحر الأسود في بعض هجماتها.

كما تتردد ادعاءات مماثلة على شاشات التلفزيون منذ بداية الحرب.

أما أنا، فمنذ البداية لم أعتبر احتلال أوديسا احتمالًا واقعيًا.

لماذا؟

لأن المسألة لا تتعلق برغبة روسيا في السيطرة على هذا الهدف.

بل إن القضية الأساسية تتمثل في أن الظروف العسكرية اللازمة لتنفيذ مثل هذه العملية قد تلاشت إلى حد كبير في ظل واقع الحرب الحالي.

وبما أن هذا الموضوع عاد إلى الواجهة مجددًا، فقد أردت أن أدوّن تقييمي له.

لنبدأ أولًا بالسؤال الأساسي.

لماذا تُعد أوديسا بهذه الأهمية؟

لأن أوديسا هي أكبر منفذ لأوكرانيا على البحر الأسود.

فمعظم صادرات الحبوب تمر عبرها، كما أنها أهم موانئ البلاد من حيث نقل الحاويات وتصدير المنتجات الصناعية. وهي أيضًا تمثل محور الاستراتيجية البحرية الأوكرانية.

وسيؤدي فقدان أوديسا إلى توجيه ضربة قاسية للاقتصاد الأوكراني، كما سيقيد بدرجة كبيرة أنشطته العسكرية في البحر الأسود.

كل ذلك صحيح.

لكن، هل يجعل هذا وحده احتلال المدينة ممكنًا؟

لا.

فليس كل هدف يتمتع بقيمة استراتيجية عالية يمكن السيطرة عليه عسكريًا. ويزخر تاريخ الحروب بأمثلة كثيرة على ذلك. فإلى جانب قيمة الهدف، تبقى تكلفة الوصول إليه واحتمالات النجاح في السيطرة عليه عاملين حاسمين.

حسنًا، كيف يمكن لروسيا السيطرة على أوديسا؟

من الناحية النظرية، هناك خياران.

الأول هو تنفيذ عملية إنزال برمائي عبر البحر.

والثاني هو التقدم برًا لتطويق المدينة.

أما الخيار الأول، فقد خرج إلى حد كبير من دائرة الاحتمالات.

ففي الأشهر الأولى من الحرب، كان أسطول البحر الأسود يشكل تهديدًا حقيقيًا بتنفيذ عملية إنزال.

ولهذا السبب، اضطرت أوكرانيا إلى الاحتفاظ بقوات كبيرة في محيط أوديسا.

لكن المشهد تغير مع مرور الوقت.

فالطائرات البحرية المسيّرة التي طورتها أوكرانيا، إلى جانب الصواريخ المضادة للسفن وقدراتها على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، ألحقت خسائر فادحة بأسطول البحر الأسود الروسي. وكان إغراق الطراد "موسكفا" رمزًا لهذه المرحلة.

ثم أصبحت القواعد العسكرية في سيفاستوبول وعدد كبير من السفن الحربية تتعرض لضغط مستمر.

ماذا يعني ذلك؟

تُعد العمليات البرمائية من أكثر العمليات تعقيدًا في التخطيط العسكري. ومن دون تحقيق التفوق البحري والجوي، تكون فرص نجاحها محدودة للغاية.

واليوم، يصعب القول إن روسيا قادرة على تحقيق هذا التفوق في شمال غربي البحر الأسود.

ولهذا، يمكن الحديث نظريًا عن عملية إنزال واسعة النطاق، لكنها لا تبدو قابلة للتنفيذ عمليًا.

ويبقى الخيار البري.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فلكي تتمكن القوات الروسية من الوصول إلى أوديسا، يتعين عليها أولًا عبور الضفة الغربية لمقاطعة خيرسون، ثم السيطرة على منطقة ميكولاييف.

لكن الجيش الروسي انسحب عام 2022 من خيرسون الواقعة غرب نهر دنيبرو.

ولم يكن هذا الانسحاب مجرد خسارة لموقع عسكري.

بل إنه حدّ أيضًا بصورة كبيرة من قدرة روسيا على تنفيذ عمليات هجومية واسعة النطاق غرب نهر دنيبرو.

فهل يختلف المشهد اليوم؟

إن عبور القوات الروسية للنهر مجددًا، وإنشاء رؤوس جسور واسعة، ثم الحفاظ على إمدادها بشكل مستمر، يمثل مهمة بالغة الصعوبة.

وفي الحروب الحديثة، تُعد عمليات عبور الأنهار الكبرى، تحت نيران العدو، من أصعب العمليات العسكرية.

كما أن الطائرات المسيّرة الأوكرانية، وأنظمة المدفعية، والذخائر الدقيقة، تزيد من حجم هذه المخاطر.

ولنفترض أن روسيا تجاوزت كل هذه العقبات.

عندها ستواجه مدينة ميكولاييف.

فقد نجحت المدينة خلال الأشهر الأولى من الحرب في صد الهجمات الروسية، وعززت خلال الفترة اللاحقة خطوطها الدفاعية بصورة أكبر.

ومن دون تجاوز ميكولاييف، يكاد يكون من المستحيل التقدم بأمان نحو أوديسا.

وهذا يعني خوض معارك مدن قد تستمر لأشهر.

وفوق ذلك كله، فإن هذه الجهود لا تهدف إلا إلى الوصول إلى أوديسا.

أما عند دخول المدينة نفسها، فإن حجم الصعوبات سيزداد.

فالسيطرة على مدينة ساحلية كبيرة يبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، وضمان الأمن فيها، والإبقاء على خطوط الإمداد مفتوحة، يتطلب قوات ضخمة.

ومع الأخذ في الاعتبار أن الجيش الروسي يعاني أصلًا من حاجة كبيرة إلى الأفراد على الجبهات الحالية، فلا يبدو من السهل عليه توفير مثل هذه القوة.

وهناك نقطة أخرى أيضًا.

فروسيا تحاول اليوم زيادة ضغطها على محاور دونيتسك ولوهانسك وزابوريجيا وخاركيف.

وفي وقت تُقاس فيه المكاسب على هذه الجبهات بالأمتار، فإن فتح محور هجومي جديد يمتد مئات الكيلومترات ينطوي على مخاطر عسكرية كبيرة.

لماذا؟

لأن تركيز القوة يعد أحد المبادئ الأساسية في الحرب.

ففتح جبهة جديدة قد يؤدي إلى إضعاف الضغط على الجبهات الحالية.

وهذا المشهد يمنحنا أيضًا فكرة عن أولويات موسكو.

وبرأيي، فإن الهدف الأساسي لروسيا ليس احتلال أوديسا، بل جعل الاستخدام الفعّال للميناء أكثر صعوبة إلى أقصى حد ممكن.

ولهذا تبدو الهجمات الصاروخية بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، ومحاولات فرض حصار بحري، وسائل أكثر ملاءمة لتحقيق هذا الهدف.

فهذا النهج يتيح ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية مماثلة، لكن بكلفة عسكرية أقل.

وبالطبع، لا يمكن استبعاد أي احتمال بشكل كامل في الحروب.

فحدوث تحولات كبرى على الجبهة، أو تغيرات جوهرية في القدرات الدفاعية الأوكرانية، قد يغير الحسابات.

لكن المشهد العسكري الحالي لا يضع احتلال أوديسا ضمن أكثر السيناريوهات ترجيحًا في المستقبل القريب.

والخطأ الذي يتكرر كثيرًا في التحليلات هو الخلط بين الرغبة الاستراتيجية والقدرة العسكرية.

فرغبة روسيا في السيطرة على أوديسا مسألة.

وامتلاكها الإمكانات العسكرية التي تمكنها من تحقيق ذلك مسألة أخرى.

وفي ظل الظروف الحالية، لا أعتقد أن الإجابة عن السؤال الثاني ستكون بالإيجاب.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!