
د. ذاكر أفشار - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
تُسجَّل منذ عامين خطوات كبيرة جداً على طريق «تركيا بلا إرهاب». وقد اتخذ رئيس جمهوريتنا رجب طيب أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي مبادرات كبيرة جداً في هذا الشأن. أما النقطة التي وصلنا إليها فهي رائعة. لكن بطبيعة الحال، سيخرج البعض لانتقاد ذلك. وسيحاولون التلاعب، ولن يكتفوا بذلك، بل سيلجؤون إلى التضليل. وسيحاول البعض إثارة الحساسيات الاجتماعية من مواقع شديدة التطرف، ولن يتمكن آخرون من الخروج من حفر الهامشية التي يقفون فيها… كل هذا سيحدث. بل إنه يحدث بالفعل… وتُظهر مبادرات ممثلي أحد الأحزاب في لجنة العدل بالبرلمان التركي أن ذلك سيستمر أيضاً… إلا أن الذين يرغبون في الديمقراطية والأخوّة والسلام والوحدة والتضامن في هذا البلد، والذين يتنفسون من أجل تركيا المستقبلية الكبيرة والقوية، مضطرون إلى التركيز على جوهر القضية…
الإرهاب واحد من أكثر المشكلات الأمنية تعقيداً التي تواجهها الدول الحديثة. ولا تقتصر آثاره على خسائر الأرواح والممتلكات، بل يقوّض الشعور بالثقة في المجتمع، ويبطئ التنمية الاقتصادية، ويفرض ضغوطاً على المؤسسات الديمقراطية، وقد يؤدي إلى تآكل ثقافة العيش المشترك.
ولهذا السبب، فإن المبادرات الرامية إلى إنهاء الإرهاب تستحق أن تُقيَّم عند نقطة تقاطع تخصصات مختلفة، مثل القانون والإدارة العامة والاقتصاد وعلم الاجتماع والاتصال، إلى جانب السياسات الأمنية.
والنهج القادر على إنتاج نتائج دائمة هو النهج الذي يستطيع دعم التدابير الأمنية بالقدرة على التنبؤ القانوني، والتنسيق المؤسسي، والثقة المجتمعية.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى المبادرات التي تستهدف القضاء على الإرهاب بشكل كامل باعتبارها انعكاساً لمسعى الدولة إلى تناول قدرتها الأمنية ومبادئ دولة القانون معاً.
في الأنظمة الديمقراطية، تعتمد شرعية السلطة العامة، بقدر ما تعتمد على القدرة على مكافحة التهديدات بفعالية، على تنفيذ هذه المكافحة ضمن قواعد واضحة، وعمليات قابلة للرقابة، وضمانات قانونية.
ويُعد تحقيق توازن سليم بين الأمن والحرية، والنظام العام والقانون، وسلطة الدولة والشرعية الديمقراطية، أحد العناصر الأساسية للاستقرار على المدى الطويل.
ومن هذا المنطلق، فإن ربط التنظيمات القانونية الرامية إلى إنهاء الإرهاب بشروط محددة، وتعريف نطاقها بوضوح، وتحديد إجراءات تطبيقها مسبقاً، أمر مهم من حيث مبدئي الوضوح القانوني وقابلية التنبؤ.
ومن السمات الأساسية لدولة القانون أن يكون معروفاً مسبقاً في أي ظروف وضمن أي حدود يمكن استخدام السلطة العامة.
فالقواعد الواضحة والمنهجية توجه المؤسسات المنفذة، كما تسهم في تمكين الرأي العام من تقييم العملية بصورة أكثر صحة.
وفي حين أن الحد من حالة عدم اليقين يحد من تأثير الشائعات والتفسيرات الخاطئة، فإنه يؤدي أيضاً وظيفة داعمة للثقة المؤسسية.
ومع ذلك، فإن إنهاء الإرهاب ليس هدفاً يمكن تحقيقه بالنصوص القانونية وحدها. وكما يُؤكَّد كثيراً في دراسات الأمن، فإن إنهاء الصراع وبناء السلام المجتمعي عمليتان مختلفتان.
إن توقف العنف مرحلة مهمة، لكن الاستقرار الدائم لا يصبح ممكناً إلا من خلال إعادة تعزيز الشعور بالثقة لدى مختلف شرائح المجتمع، وترسيخ الإيمان بالنظام القانوني، وتحقيق قبول واسع لفكرة المستقبل المشترك.
ولهذا السبب، يعتمد النجاح على مقاربة شاملة تتكامل فيها السياسات الأمنية مع السياسات الاجتماعية، واستراتيجيات التنمية الاقتصادية، والاتصال العام الفعّال.
وهنا تحديداً يؤدي الاتصال الاستراتيجي دوراً حاسماً. ففي أيامنا هذه، لا يرتبط نجاح السياسات العامة بمضمون القرارات المتخذة فحسب، بل أيضاً بكيفية شرح هذه القرارات، والإطار المفاهيمي الذي تُقدَّم ضمنه، وكيفية إدراك المجتمع لها.
وفي العصر الرقمي الذي تسارعت فيه حركة المعلومات بشكل هائل، يمكن للمعلومات الناقصة، والتصريحات المقتطعة من سياقها، والتضليل المتعمد، أن تجعل من الصعب على الرأي العام إجراء تقييم سليم.
ولهذا السبب، ينبغي النظر إلى توفير المعلومات الصحيحة وفي الوقت المناسب والمتسقة والشفافة باعتباره جزءاً لا يتجزأ من العملية. وغالباً ما تتعزز ثقة الرأي العام من خلال الحد من حالات عدم اليقين واستمرارية التواصل.
وفي هذه العملية، تتحمل وسائل الإعلام أيضاً مسؤولية بالغة الأهمية. ففي المجتمعات الديمقراطية، لا تُعد وسائل الإعلام مجرد آلية لنقل الأخبار، بل هي من المؤسسات الأساسية التي تحدد طبيعة النقاش العام.
إن تناول مثل هذه القضايا الحساسة في ضوء معلومات موثقة، ومن دون اقتطاعها من سياقها، ومع مراعاة الحساسيات الاجتماعية، يسهم في تشكيل رأي عام سليم.
أما التقييمات القائمة على المعرفة العلمية التي تقدمها الأوساط الأكاديمية ومراكز البحوث والخبراء، فتساعد، من خلال تجاوز النقاشات اليومية، على إيجاد بيئة أكثر عقلانية لاتخاذ القرارات.
ويُعد منظور الاندماج المجتمعي بُعداً آخر لا ينبغي إهماله. فالمشكلات الأمنية التي تستمر لفترات طويلة قد تُنشئ لدى مختلف شرائح المجتمع ذكريات مختلفة، وتوقعات مختلفة، ومخاوف مختلفة. وتحقيق الاستقرار الدائم لا يتطلب تجاهل هذه الاختلافات، بل إدارتها ضمن القاسم المشترك المتمثل في القانون.
إن الحفاظ على الشعور بالعدالة لدى المجتمع، والاستمرار في الشفافية، وإبقاء العمليات مفتوحة أمام الرقابة المؤسسية، كلها عوامل تسهم في تعزيز الشرعية المجتمعية.
ويُبنى الشعور بالثقة إلى حد كبير على القدرة على التنبؤ، والمساءلة، والاتساق المؤسسي.
كما أن البعد الاقتصادي جزء لا يتجزأ من هذا النقاش. فمن شأن انخفاض المخاطر الأمنية أن يؤدي إلى آثار إيجابية في العديد من المجالات، بدءاً من بيئة الاستثمار والإنتاج، وصولاً إلى السياحة والتنمية الإقليمية.
كما أن توجيه الموارد بنسبة أكبر إلى مجالات التعليم والتكنولوجيا والعلوم والبنية التحتية والتنمية الاجتماعية يوفر فرصة يمكن أن تزيد القدرة التنافسية للبلاد على المدى الطويل.
إن وجود علاقة قوية بين تعزيز الأمن وتسريع التنمية أمر يجري التأكيد عليه كثيراً أيضاً في التجارب الدولية.
ومن منظور العلاقات الدولية أيضاً، فإن بيئة أمنية خالية من تأثير الإرهاب يمكن أن توسع هامش الحركة الدبلوماسية للدول، وتسهّل التعاون الإقليمي، وتسهم في تنفيذ أهداف السياسة الخارجية بصورة أكثر استقراراً.
ويُعد تعزيز الاستقرار الداخلي أحد العوامل المهمة التي يمكن أن تحدث آثاراً إيجابية أيضاً على الموثوقية الدولية.
كل ذلك يجعل من الصعب تقييم المبادرات الرامية إلى إنهاء الإرهاب باعتبارها سياسة أمنية أحادية البعد. فالقضية تحمل طبيعة سياسة عامة متعددة المستويات، تتطلب تناول القانون والإدارة العامة والاقتصاد والاتصال وعلم الاجتماع والعلوم السياسية بصورة متكاملة.
ويتوقف تحقيق نتائج ناجحة على ضمان التنسيق بين المؤسسات، وتزويد الرأي العام بالمعلومات الصحيحة، والحفاظ على الضمانات القانونية، وتعزيز الثقة المجتمعية بصورة مستمرة.
وبغض النظر عن الطريقة المفضلة، فإن المبادرات التي تستهدف إنهاء الإرهاب بشكل كامل تتطلب منظوراً طويل الأمد، وقدرة مؤسسية قوية، ودعماً مجتمعياً.
ويمكن اعتبار تحديد الإطار القانوني بوضوح، وشفافية عمليات التطبيق، وإقامة تواصل منتظم وموثوق مع الرأي العام، والحفاظ على الشرعية الديمقراطية، ودعم الاندماج المجتمعي، عناصر متكاملة في تحقيق هذا الهدف.
ويصبح الأمن الدائم ممكناً من خلال بناء نظام عام تتعزز فيه الثقة بالتزامن مع القضاء على التهديدات، ويعمل فيه القانون بصورة قابلة للتنبؤ، وتجد فكرة المستقبل المشترك صدىً في المجتمع.
هذا هو ما يتم القيام به، ولا داعي للقلق…
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











